الاخبار

كلمة الأستاذ فريد زهران في مؤتمر الحوار بين الحزب الشيوعي الصيني وأحزاب الدول العربية


كلمة الأستاذ فريد زهران في مؤتمر الحوار بين الحزب الشيوعي الصيني وأحزاب الدول العربية
الدرس الأول الذي نتعلمه من تجربة الصين هو: الارتباط بالجماهير ومصالحها وتطلعاتها

حضر الأستاذ فريد زهران رئيس الحزب المصري الديمقراطي الإجتماعي مؤتمر "هانغشتو" الذي دعى إليه الحزب الشيوعي الصيني وتحدث فى إحدى الجلسات التى حملت عنوان "الإصلاح والانفتاح: طريق التنمية وتبادل التجارب"، وفيما يلى نص الكلمة التى ألقاها رئيس الحزب :
الإصلاح والانفتاح: خبرات التجربة الصينية
نحن نعتقد فى حزبنا، الحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى، أن هناك أكثر من طريق للتنمية، وأن اختيار هذا الطريق أو ذاك هو أمر مرتبط بتوجهات الحزب الحاكم، أى حزب حاكم، ومرتبط أيضاً بالتراث الثقافى والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكل بلد، ولذلك فإن اختيار بلد ما لطريق تنموى لا يعنى بالضرورة أن هذا الاختيار صالح لبقية البلدان حتى لو كان قد حقق نجاحا كبيرا هنا أو هناك.
ونحن نعلم أن الحزب الشيوعى الصينى يتفق تماماً مع هذه الرؤية التى ترى أن لكل بلد طريقه التنموي الخاص الذى عليه أن يستكشفه بنفسه لا أن يستنسخه من تجارب شعوب أخرى حتى لو كانت هذه التجارب ناجحة فى بلدانها، ونحن نعلم أن تمسك الصين بهذه الفكرة التى ترى أن لكل بلد طريقه التنموي الخاص جاء نتيجة معاناة الصين فى فترات تاريخية سابقة من محاولات أرادت فرض نمط أو طريق تنموى على الصين، وكانت هذه المحاولات تبوء بالفشل لأنها، كما ذكرنا من قبل، لم تنطلق من ظروف الصين الخاصة.
إن هذا الإقرار المبدئي والضرورى بالخصوصية، وفقاً لهذا المعنى الذى أشرنا إليه هو الذى أفضى إلى اقتناع عميق لدى الصين بعدم التدخل فى شئون البلدان الأخرى، وهو أمر نقدره كثيراً ونراه وثيق الارتباط بمعاناة الصين من محاولات التدخل فى شئونها فى فترات تاريخية سابقة.
إن هذا الإقرار المبدئي ، والمتبادل، بيننا وبين الصين فى أن أى بلد فى العالم عليها أن تبحث عن طريقها التنموي الخاص لا يعني بحال من الأحوال أن البشر يعيشون فى جزر منعزلة، وأنه لا توجد بينهم قواسم وسمات مشتركة تجعلهم فى أمس الاحتياج أن يستفيد كل بلد من تجارب البلدان الأخرى، بالذات أو، بالأحرى تحديداً، إذا كانت هذه التجارب ناجحة والظروف الموضوعية متشابهة، ويؤكد لنا التاريخ الإنساني أن البشر كانوا يؤثرون ويتأثرون ويتبادلون التجارب، ولأن الشئ بالشئ يذكر، فقد كان طريق الحرير نفسه ليس مجرد طريق أو رابطة للتبادل التجارى، وإنما كان- وربما بنفس القدر- طريقا للتبادل الثقافى، وبصياغة أخرى طريق لتبادل المعارف والتجارب والمفاهيم.
ما الذى يمكن لنا، كحزب وكبلد وكمنطقة، أن نتعلمه من التجربة الصينية؟
تؤكد لنا الوقائع والأحداث أن اختيار الحزب الشيوعى الصينى لطريق أو سياسة "الإصلاح والانفتاح" لم يكن انطلاقاً من فكرة نظرية – سياسية تمت صياغتها فى كواليس الحزب بين أروقة مكاتب القيادات العليا، بل بدأ الأمر كله على خلفية تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية نتيجة السياسات التى كانت متبعة فى ذلك الوقت، أكرر: بدأ الأمر كله عندما التقط وتبنى الزعيم دينج شياوبنج مبادرة قام بها عدد محدود من الفلاحين لتنظيم العلاقة الاقتصادية التعاونية بينهم بطريقة جد مختلفة عما كانت تفرضه السياسة السائدة فى ذلك الوقت، وبهذه الخطوة الرائدة والشجاعة التى قام بها الزعيم دينج فى تبنى مبادرة الفلاحين البسطاء بدأت الصين طريق "الإصلاح والانفتاح" تحت شعار "ليس من المهم لون القط ولكن من المهم أن يصطاد الفئران".
ما هى التجربة التى نتعلمها من ضربة البداية هذه؟
فى كلمته التى ألقاها فى 26 ديسمبر فى ندوة أقيمت لإحياء الذكرى المائة والعشرين لميلاد ماو تسى تونج، قال الرئيس شى جين بينغ: أفكار ماو تسى تونج لها ثلاثة جوانب إنسانية: "طلب الحقيقة، والخط الجماهيرى، والاستقلالية والمبادرة"، واللافت، اللافت بحق، أن هذا بالضبط هو ما فعله دينج شياوبنج، وهذا هو بالضبط ما مكن الصين من اختيار طريق "الإصلاح والانفتاح" ، أو بصياغة أخرى طريقها التنموى الذى ينسجم وظروفها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، 
الدرس الأول، أو التجربة التى علينا أن نتعلم منها هى: الارتباط بالجماهير ومصالحها وتطلعاتها، والدرس الثانى هو: التعلم من الواقع وتفاعلاته، وأخيراً أن دعم وتأييد المبادرات والتجربة الصينية لا يقودنا بالضرورة إلى طريق "الإصلاح والانفتاح"، ولك يقودنا إلى ما هو أهم بكثير، إلى كيفية اختيار الطريق كما يقول المثل الصينى: "ليس من المهم أن تعطينى سمك ولكن من المهم أن تعلمنى كيف اصطاد السمك".
اختيار طريق تنموى هو أمر مهم جداً، ولكنه يبقى مجرد بداية لأن السير فى هذا الطريق نفسه يطرح إشكاليات وهموم أخرى، ويتعين هنا على القيادة أن تُبدع الحلول وهذه الحلول قد تتعلق بضبط المفاهيم، وقد تتعلق أيضاً بوضوح الآليات، وهذا هو ما يُمكننا أيضاً أن نتعلمه من التجربة الصينية، فقد كان اختيار سياسة "الإصلاح والانفتاح" له تداعيات، وأنا لا أود أن أتطرق إلى أمثلة كثيرة لتوضيح وشرح كل هذه التداعيات، فلا الوقت ولا المجال يتسع لذلك، وسأدلل فقط على ذلك بالإشارة إلى أن اختيار الإصلاح والانفتاح كان معناه أننا لم نعد إزاء نهج اشتراكى "تقليدى" ولم يكن المقصود بالقطع، لقيادات الحزب الشيوعى الصينى، أن الصين فى طريقها إلى بناء مجتمع رأسمالى، ومن ثم كان على القيادة الصينية أن تُبدع اصطلاح سياسة السوق الاشتراكى لا كمجرد تعبير غامض يجمع بين متناقضات يستحيل الجمع بينها، ولكن كمفهوم جديد يصف حالة جديدة وسياسة جديدة.
على صعيد آخر وكمثال أخير ودال جداً أفضت سياسة الإصلاح والانفتاح إلى انفتاح الصين على العالم وكان أحد تجليات أو تداعيات هذا الانفتاح فى تقديرنا هو حوارنا هذا، بل دعونى أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول: أما كان طرح مبادرة الحزام والطريق، بكل أبعادها الاستراتيجية، أحد تجليات الإصلاح والانفتاح؟

اقرا ايضا