مقالات

الأيام العظيمة فى تاريخ الأمم لا تموت

منذ (8) سنوات انطلقت نسائم الحرية فى شوارع وميادين مصر مؤذنة باندلاع ثورة (25) يناير 2011، ونحن هنا فى هذه المقالة ليس بصدد تقييم أو رفع حالة واقع أو تقدير موقف وبناء سيناريوهات وتصورات للتعامل مع المستقبل، إنما التطرق عبر الفقرات التالية لعلو شأن الثورة وبقاء ذكرى ولادة احتجاجاتها لدى جموع مصرية عديدة، والحاجة أو الضرورة القصوى إلى تحقيق مطالبها.

حملت ثورة (25) يناير 2011 مطالب العيش والحرية والعدالة الاجتماعية لتمثل في مجموعها وتأثيراتها نقطة تحول تاريخية على طريق التطور الديمقراطي فى مصر، فبالنظر إلى ما تركزت حوله الاحتجاجات الجماهيرية، يتبين إدراك المصريين للتلازم بين كافة فئات الحقوق والحريات.

أى أن مطالب المواطنين فى الثورة تشير إلى ضرورة تحقيق حسن الإدارة وجدية الحكم فى التعامل مع المجتمع والمواطنين على أساس من المشاركة، وإدارة المرافق العامة والموارد الطبيعية وفقا لأحكام القانون، مع الأخذ في الاعتبار حق المواطنين فيها بل وأيضا حق الأجيال القادمة، ومراعاة حقوق الأفراد والمصالح العامة وتوفير الخدمات الاجتماعية والاحتياجات الأساسية بطريقة خالية من سوء المعاملة أو الفساد الإدارى وعن طريق سياسات عامة تستجيب لاحتياجات المواطنين. بمعنى الوصول للحوكمة وأن يكون المواطنين متحررين من الخوف والعوز، وإطلاق روح المبادرة لكل مصرى وكل مصرية وتحقيق قيمة "إرفع رأسك فأنت مصرى"، ذلك هو سبيل تهيئة الظروف الضرورية لتمكين كل إنسان من التمتع بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وكان لاندلاع سلسلة ثورات “الربيع العربى” التى شهدتها المنطقة العربية، أكبر الأثر فى تنامى الاهتمام بإعادة تعريف دور الدولة ووظائفها. وقد أثبتت خبرات الثورات العربية الأثر السلبى لانسحاب الدولة من المجال الاقتصادى لصالح الطبقات الرأسمالية الجديدة، وقد عبر عن هذا التحول فى وظائف الدولة إعادة الاعتبار لدور الدولة فى الاقتصاد كما فى السياسة، خاصة فيما يتعلق بتنظيم السوق، وتوفير الخدمات الاجتماعية، والتحول الرقمى. وقد أثبتت الثورات وتعثرها فيما بعد فى دول الربيع العربى ومنها مصر أنه ينبغى تحقيق مشاركة كافة الفئات الاجتماعية، وتصويب العلاقة بين السلطة السياسية والمواطنين فى الدولة.

وفى إطار هذا الاهتمام بإعادة تعريف دور الدولة ووظائفها باتت الدعوة إلى التمكين المتبادل بين الدولة والمجتمع لتحقيق سياسات التنمية المرجوة أو أهداف التنمية المستدامة، وتفعيل التحول نحو الحوكمة والأخذ بتطبيقاتها ومنها حرية تداول المعلومات، وهى ترتكز على؛ إن ثمة علاقة تفاعل وتأثير متبادل بين الدولة والمجتمع، بحيث؛ أن قدرة الدولة على انجاز التحول تزداد ما دام المجتمع فى عونها، وتعتمد الدولة على مشاركته.

هكذا يمكن القول أن ذكرى (25) يناير لن تموت برغم كل محاولات النظام السياسى الراهن وأجهزته الأمنية وإعلامه وما يتخذه من إجراءات قمع وظلم وتشويه وتشهير وخنق المجال السياسى أمام كل ما يتعلق بالثورة من شخصيات ورموز وأحزاب ومطالب، تجدر الإشارة إلى أن مناسبة (25) يناير 1952 والاحتفالات بعيد الشرطة المصرية، هى بالأساس جاءت فى أجواء وأوضاع سياسية واجتماعية كانت تعم مصر حين كانت أولى القضايا التى كانت تشغل جموع عديدة من المصريين هى مواجهة الاستعمار البريطانى وقد اهتمت تيارات فكرية وطنية مختلفة بهذه القضية وبذلت فيها ما استطاعت من قوة، كما أن محافظة الإسماعيلية ومدن القناة عامة كانت تشهد وقتها عمليات فدائية يقوم بها المواطنين المصريين المدنيين ضد معسكرات الإنجليز، وتحرك الجيش الإنجليزى وحصاره ومواجهته مع قوات الشرطة جاءت بعد ازدياد العمليات الفدائية، ووزير الداخلية وقتها كان ذو خلفية مدنية، أى أن القضية تتعلق باستقلال مصر وحرية وكرامة المصريين.

إن ذكرى الثورة ستظل تحملها القلوب والعقول ولن ينهزم السعى لتحقيق المطالب الجماهيرية، خاصة فى ظل إخفاقات السياسات العامة للنظام الراهن أو تعثرها، بل هناك قضايا محورية يواجهها النظام بسياسات التجاهل أو يعمل وفق تفضيلات نخبته وبحسب التبعية لاتجاهات البنك الدولى وبعض من القوى الإقليمية والدولية بدون اهتمام باحتياجات المواطنين وعدم تحقق وعود أهداف التنمية المستدامة، مما انكس سلبيا على التنمية والأمن الإنسانى، وبالتالى انخفاض أو انعدامها فى مسائل عديدة الثقة بين المواطن والحكومة.

محمد عبد الهادي

باحث فى العلوم السياسية وخبير فى الإدارة المحلية ومدرب متخصص فى المجالس الشعبية المحلية ومدير برنامج حوكمة


اقرا ايضا