مقالات

الإستبداد والدستور:الفصل الأخير فى كتاب المستبدين

إن دستور الدولة يفصل القول بشأن نظام الحكم فيها، وسجل العصر الحديث اعترافا بأهمية الدستور كمفهوم سياسى وزيادة الاهتمام بأساس النظام السياسى، وتنظيمه الملائم، وتحديد علاقته بالمؤسسات الأخرى فى الدولة. وإن كانت المؤسسات الدستورية المعاصرة نتاج فكر وعمل آلاف السنين تعود حذورها إلى الأغريق والرومان، لقد أضحت فكرة الحكم الدستورى موضع قبول عام، فالدولة بوجه عام تعتبر اصدار الدستور بمثابة شهادة ميلاد لها، الأمر الذى يفسر ظاهرة شيوع إصدار الدساتير، ولكن يبقى ممارسة "الدستورية" بمعنى تطبيق الدستور ظاهرة أقل شيوعا، فالممارسة العملية للسلطة قد تكون منقطعة الصلة بدستور الدولة، ويظهر طغيان الحاكم وظلمه على نحو يستعبد المواطنين وينعش الفساد ويحمى أصحاب المصالح ويلتهم الديمقراطية ذاتها، ولا يسمح لها أن تتحقق لا شكلا ولا موضوعا.

هناك تعاريف كثيرة لمفهوم الدستور؛ فعلى سبيل المثال يعرف قاموس اكسفورد الدستور بأنه "نسق أو جسد من المبادئ الأساسية طبقا له تتشكل وتحكم أمة أو دولة أو نظام سياسى"، ويقدم قاموس وبستر التعريف التالى "الدستور هو القانون العضوى الأساسى أو هو مبادئ حكم أمة، أو مجتمع ما سواء جسدتها وثائق مكتوبة أو تضمنتها مؤسسات وعادات". هكذا يتضح من هذه التعريفات أن الدستور هو مجموعة القواعد التي تحدد طبيعة نظام الحكم في الدولة، وتبين السلطات العامة فيها واختصاص كل منها وعلاقاتها مع بعضها البعض، كما تبين حقوق الأفراد السياسية وما يجب لحرياتهم من ضمانات. قد يكون مكتوبا حينما تضمه وثيقة رسمية، وقد يكون مجرد مجموعة غير مدونة من الخطوط العريضة التى يعيها ويقبلها أولئك المسئولون عن أعمال الدستور، ويعبر عن الاتفاق الأساسى على كيفية حكم المجتمع السياسى، إنه يبين نطاق السلطة الحكومية، وكيفية اتخاذ القرارات، وأسلوب اختيار ومحاسبة صانعى القرار.

عليه يعتبر الدستور في طليعة التشريعات فهو أساس كل تنظيم في الدولة، حيث يضع الأسس التي تقوم عليها الدولة، وعلى هذا فإنه كما لا يجوز مخالفة أحكام هذا الدستور بقانون آخر يصدر داخل الدولة، لأن كل القوانين الأخرى أقل منه في المرتبة، لا يجدر أبدا استغلاله واللعب فيه والتلاعب بمقدرات الشعب.

إن أهمية الدساتير تتمثل فى: إذا كانت الدولة تهتم بالتوفيق بين الحرية والمصلحة العامة فإن مهمة الدستور هي تنظم التعايش السلمي بين السلطة والحرية في إطار الدولة، وتقييد "شخصانية الحاكم وأنانيته"، فالدستور حسب وجهة النظر هذه هو ممارسة ظاهرة السلطة الشرعية في مظاهرها القانونية.

وأغلب الدساتير من حيث إمكانية تعديلها من النوع الجامد، أذ يتطلب تعديلها إجراءات خاصة من قبيل اشتراط الحصول على موافقة نسبة معينة من أعضاء البرلمان وأغلبية أصوات المواطنين (الهيئة الناخبة) عن طريق الاستفتاء، والدستور الجامد عادة ينص على كيفية وشروط تعديله. وعلى كافة الأحوال يعد أفضل ممارسات التعديلات تلك التى تصيب الدستور نتيجة التطور فى القوانين والتفاعلات لإقامة مؤسسات سياسية مستقرة وفاعلة وفى ارتباطها بالحاجات والظروف المتغيرة، أكثر منه نتيجة تعديلات رسمية. إن هذا كله يشكل إطارا معقدا يقيد الحاكم وينبغى أن تمارس السلطة من خلاله.

وفى كل الأحوال لا بد وأن يكون الهدف من كتابة وإعمال أو إنفاذ الدستور فى مصلحة الشعب، حيث تنقسم الدساتير من حيث المصدر الذي تخرج منه، إلى قسمين: أولهما عندما يكون الدستور منحة من الحاكم أو السلطات إلى شعبه، ينزل فيه عن بعض سلطاته للشعب، وثانيهما عندما يصدر الدستور عن الشعب، أي يكون الشعب هو مصدر الدستور.

فى غالبية دول الجنوب أو الدول النامية ما بعد الاستقلال خاصة التى تخضع لحكم عسكرى شمولى، ومن ضمنها مصر، يتم "دسترة" مبادئ عن الحريات العامة والحكم المدنى عبر المؤسسات المنتخبة، إضافة إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين التى تكفلها الدساتير، (بمعنى تضمين هذه المبادئ وكتابتها فى الدساتير). بالرغم من ذلك إلا أن جوهر "الدستورية" مفتقد فى تلك الدول على وجه العموم حيث لا تمارس هذه المبادئ والمقومات من الناحية العملية لأسباب مردها واقع نظام الحكم ذاته، فطبيعة الحكم العسكرى القائم فى هذه الدول يعطل الدستور أو يضرب به عرض الحائط، ويستطيع أى حاكم من خلال التزوير والتزييف أو التخويف والترهيب، أن يحصل على الأغلبية المطلوبة لإقرار أى تعديل بالدستور. وبرغم أن إعلان حالة الطوارئ يرخص به فقط فى حالة التمرد المسلح أو الغزو الأجنبى، يغلب أن يستخدم إذا رأت الحكومة القائمة أن المعارضة أو الشارع تقوى شوكته.

أكدت التجارب والخبرات المقارنة لظاهرة "الدسترة وغياب الدستورية" وتكرارها فى العديد من الدول التى تخضع لحكم عسكرى غالبا، إلى أن تلك الدول تفتقد أغلب المقومات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية والسياسية اللازمة للاستقرار الدستورى، فلقد استمرأت عملية إصدار الدساتير فى أعقاب الأزمات أو تغيير الحكام أو التمديد لآخرين، وفى نفس الوقت كثيرا ما نشهد تعطيل الدستور أو وقف العمل أو أكثر من نصوصه، وحتى التحايل على محتواه.

هكذا تصبح "الدستورية" تقليدا أساسيا فى حياة هذه الأنظمة المستبدة ليس أكثر، ولا يعدو الدستور كونه وثيقة تشريعية شكلية وأداة السلطة فى قمع المواطنين وبسط سيطرتها، وليس أداة تحد من وباء الحكم المطلق المتفشى وقيدا على ممارسة الطغيان. أذن أنه مجرد قناع يخفى بنية السلطة الحقيقية ولا يكاد يتمتع بالشرعية.

إذاً؛ وبشكل أكثر تحديداً وبالتركيز على جانب العملية الديناميكية التى تتطلب أن تبقى تحركات الدفاع عن الدستور حية ومستمرة، حيث يجب: بلورة فهم وإدراك للمسار الدستورى باعتبارها عملية تفاوضية بين فئات وقوى وطنية مختلفة الإيديولوجيات تبغى الوصول إلى أرضية مشتركة تضمن عدم غلبة مصالح فئة على أخرى، وحماية الفئات الهشة من الإقصاء والتهميش، ودراسة ممارسات من خبرات مصرية سابقة وتجارب دولية والإستفادة من نجاحها فى تفعيل الدفاع عن الدستور فى إطار من التعاون بين الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنى، وإغناء النقاش وإثرائه حول كيفية تفعيل الحقوق والحريات في الدستور وإعمالها.

محمد عبد الهادي
باحث فى العلوم السياسية وخبير فى الإدارة المحلية ومدرب متخصص فى المجالس الشعبية المحلية ومدير برنامج حوكمة

اقرا ايضا