مقالات

التعبئة الاجتماعية وحماية المقومات الدستورية للدولة

تركزت ثورات الربيع العربى التى بدأت أواخر العام 2010 حول تصويب العلاقة بين السلطة السياسية والمواطنين فى الدولة، بمعنى الوصول للحوكمة وأن يكون المواطنين متحررين من الخوف والعوز، وظهرت التوجهات وتعالت الأصوات المنادية بالإصلاحات الدستورية، ومعالجة أزمات الدساتير حيث عانت دساتير الدول العربية منذ أول دستور عربى فى تونس عام 1861 من تشوهات، منها: إنشاء دساتير لا تعبر عن تطلعات المواطنين، كما أضحت الدساتير ساحة للصراع السياسى والسيطرة على الحكم، بدل أن تكون وثيقة إجماع وطنى ومشروع بناء الدولة.

مع شروع العديد من البلدان العربية التى مرت بفترات انتقالية آنذاك (ولا سيما مصر) فى عملية الإصلاح الدستورى، ثار نقاش كبير حول تضمين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية فى الدستور إلى جانب الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين، وتنظيم العلاقة بين سلطات الدولة فى إطار من الفصل والتوازن بينهم فى آن معا، وشكل نظام الحكم فى الدولة، وطبيعة وآليات الحماية والضمانات الدستورية التى ينبغى أن تتوفر لكل ذلك من مبادئ ونصوص. 

إن هذا السياق للإصلاح الدستورى عُد حينها بمثابة فرصة مؤاتية للاستجابة للتحديات التى فرضتها مطالب التغيير والتحول الديمقراطى، فقد قررت عدة دول عربية مواجهة هذه التحديات بالدخول فى عملية الإصلاح هذه، مما أتاح الفرصة لكى يتم تضمين الحقوق والحريات كركائز أو مقومات أساسية فى هذه الدساتير. وبرز الاهتمام بدور الحركات الاجتماعية فى سياق مسار التغير الثورى بالمنطقة العربية فى عمليات التعبئة الاجتماعية لصناعة الدساتير ما بعد 2011 فى دول الربيع العربى أو الدول العربية الأخرى التى شهدت اندلاع حركات احتجاجية.

بالرغم من أن عقب ثورة (25) يناير 2011، وكذلك من بعد (30) يونيه 2013 أشارت الخبرة القريبة السابقة، وكون صوت الشارع ما زال مسموعا حينها، إلى أنه قد هيأت الفرص أمام الحركات الاجتماعية الجديدة للقيام بالتعبئة الاجتماعية للمواطنين للمشاركة فى صناعة الدساتير الناشئة، لكنّ تلك الفرصَ سرعان ما تلاشت بفعل تقلُّص مساحات التعبئة الاجتماعية، والتراجع للخلف فى أدوار هذه الحركات، وأيضا لأسباب تتعلق بطغيان نظام ما بعد (4) يوليو 2013.

الآن يتزايد توحش السلطة التنفيذية، ليس فقط فيما يتعلق أفقيا عبر التوغل والجور على السلطتين التشريعية والقضائية، ومباشرة السياسات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة للمواطنين، وإنما أيضا رأسيا من حيث تعميق المزيد من "شخصانية" الحكم فى فرد الرئيس، مع  "دسترة" التمدد فى صلاحياته، بمعنى إعطائها صفة قانونية كاذبة لا يستحقها، والتمديد استثنائيا لشخصه، يأتى كل ذلك من تطورات سلبية فى ظل حماية دولية وإقليمية لنظام حكم عسكرى يضع شخص "عبد الفتاح السيسى" رئيسا له، ويمكن القول أن هذا النظام "ولد مطيع" فى تنفيذ أهداف وحماية مصالح من يحموه، كما تشير العديد من الشواهد والتحليلات. مع تنصله من مسئولية تقديم تنازلات شعبية من مثل حزم برامج اقتصادية أو اجتماعية كما يجرى الحال فى تجارب تعديل الدستور، أو حتى التفاوض الداخلى مع القوى والأحزاب السياسية أو إقامة حوار مجتمعى توفر قليل من المشاركة والدعم المجتمعى لمثل هذا التصرف. وينصرف "عبد الفتاح السيسى" إلى دعم الخارج وقد ربط الدولة المصرية بخيارات عدد من القوى الدولية والإقليمية،  ولا يعبأ بمقومات المصريين المعنوية والمادية فى ظل تفسير خاطئ لمفهوم "المصلحة الوطنية" يتمحور حول "بقاء النظام" لا "بقاء الدولة".

أذن تثور الإشكالية لتحديد إطار العمل والتحركات الشعبية حول: كيفيّة تنظيم الحركات الاجتماعيّة المتكونة من المواطنين ومعها الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنى كافة فى الدفاع عن الدستور، والتحدّيات التي تواجهها فى التعبئة الاجتماعيّة وأدواتها وجهودها والتعبير عن تطلعات المواطنين فيما يرتبط بحماية الدستور بالأخذ فى الاعتبار التجارب المقارنة من مناطق أخرى من العالم ما يثرى الإجابة واستخلاص الدروس المستفادة. وتدور التساؤلات حول: هل تلتحم الحركات الاجتماعية مع المطالب الشعبية فى الدفاع عن الدستور؟ وكيف كان دور الحركات المجتمعية أثناء صياغة الدستور؟ هل خضع دورها لقيود؟ وما الوضع الآن؟ هل هناك اختلافات على هذا المستوى بين تجارب صناعة الدساتير والإعلانات الدستورية التى شهدتها فترة ما بعد (25) يناير؟ وفي حال وجدت فيما تتمثل الخلفيات والمبررات؟ كيف يمكن أن تساهم هذه الحركات فى مناصرة الرأى العام والتطلعات الشعبية ومجابهة السلطة فى "تنصيص" الحكم المطلق؟ وكيف هو الحال مع تلك الحركات التى ستساهم فى تبسيط سياسات الحاكم من أجل حشد رأى عام يؤيد السلطة الحاكمة ويدعم محتواها الدستوربة الفج المراد تمريره؟.

يعد "المسار الدستورى" أو "صناعة الدستور" عملية طويلة ومعقدة تهدف إلى صياغة عقد اجتماعى جامع فيما بين فئات المجتمع المختلفة وبين هذه الفئات والدولة. وعليه أن كتابة الدستور وإقراره ليس إلا حلقة من عملية طويلة تبدأ قبل كتابة الدستور ولا تنتهى بإقراره، ويتضمن دور الحركات الاجتماعية فى المسار الدستورى من أجل التعبئة الاجتماعية: العمليات السياسية والاجتماعية، بما فى ذلك المشاركة والمفاوضة المجتمعية، التى تحدد مدى النجاح فى الوصول إلى صيغة دستور ناجعة، بما ينعكس على العمليات التى تضمن الإعمال الفعال  لتلك المبادئ الدستورية، ولا سيما الضمانات التى تمكن لاحقا من أن تجعل الدستور وثيقة حية تدافع من خلالها الحركات الاجتماعية عن حقوق المواطنين، وليس فقط معركة الدفاع عن الدستور ذاته. إن عمليات التعبئة الاجتماعية لا بد أن تأتى ضمن أهداف وقضايا اجتماعية عامة عابرة لحدود الطبقات الاجتماعية والبناء السياسى، هذا ربما يزيد من احتمالات تأثير التحركات المجتمعية في حماية الدستور على وضع السياسات العامة دستوريا.

تعتبر الحركة الشعبية أحد تجليات الحركات الاجتماعية، وينبغى أن يتوافر لهذه الحركات وعى بذاتها داخل مجتمعها، وأن تشارك فى تهيئة تعبئة اجتماعية لإحداث التغيير، ويمكن أن يقتصر اهتمام بعضها على النطاق المحلى الذى نشأت فيه. ويجدر بالإكاديميين والباحثين تقديم أوراق سياسات تحث على تدعيم قدرات كافة المجتمع وتنظيماتها فى الدفاع عن الدولة دستوريا.

أن الأمر لا يتوقف فقط على التحرك الآنى بصدد التعديلات الدستورية المزعومة التى أقرتها اللجنة العامة فى البرلمان، وبلا شك هذا عمل فورى مطلوب ويحتاج أن يكون حثيث، وإنما هناك متطلبات "الما بعد" تتعلق بالدور المستقبلى، أنها حالة وعى وإدراك مستمرين لا بد من تنشيطهما وإبقائهما حيين فى فعل كل مواطن كضمانة لمقاومة الظالمين ومجابهة ظلمهم.

محمد عبد الهادي
باحث فى العلوم السياسية وخبير فى الإدارة المحلية ومدرب متخصص فى المجالس الشعبية المحلية ومدير برنامج حوكمة

اقرا ايضا