مقالات

خدمة الديون في موازنة 2019/2020


قلت في مقال تمهيدي عن قراءتي لمشروع الموازنة العامة للدولة الجديد، إنني سأتناول المشروع من زاوية العلاقة بين الدولة والمجتمع. الدولة في نظري ليست مجموعة من المؤسسات الرسمية المستقلة ذاتيا، التي تعمل من أجل تحقيق مصالحها الخاصة؛ وإنما الدولة هي في حقيقة الأمر مؤسسات تكتسب صفتها من وظائفها في إدارة المجتمع، من أجل تحقيق الرفاهية والأمان للأفراد. وتؤدي الدولة وظائفها تلك عن طريق سياسات وإجراءات وأدوات معلومة للكافة، تقود إلى تعظيم العائد من الموارد المتاحة وتنميتها.

ولذلك فإن الموازنة العامة للدولة ليست مجرد "بيان مالي" يجري إعداده بمنطق محاسبي غبي ضيق الأفق يعني فقط ب "الأصول والخصوم" و "الإيرادات والمصروفات"، وإنما هي بيان عن السياسة المالية السنوية التي تعتمدها الدولة لغرض تحقيق التنمية، في إطار استراتيجية طويلة ومتوسطة الأمد، تسعى إلى تغيير هيكل الإقتصاد، وزيادة فرص العمل والخدمات للأفراد، وزيادة القدرة التنافسية للسلع الوطنية، وزيادة كفاءة مؤسسات الدولة نفسها، في أداء وظائفها التنموية.

وأستطيع أن أقرر بحسرة، أن السيد وزير المالية يقدم هذا العام، كما فعل أسلافه من قبل، مجرد "بيان مالي" لا علاقة له بالتنمية، ولا علاقة له بالمجتمع، إلا من حيث اعتباره مجرد بقرة حلوب، أو دجاجة تبيض ذهبا، تستخدمه مؤسسات الدولة لتحقيق مصالحها المالية، أو على الأصح، لتنفيذ تعهداتها لصندوق النقد الدولي. الدولة في مصر تتحول تدريجيا، إلى مجرد مؤسسات تهدف للربح وتحقيق مصالحها الخاصة. الوزير معيط مجرد محطة من المحطات.

وأستطيع أن أقرر أيضا، أن المعيار الرئيسي لتقييم الوزراء في السنوات الأخيرة، أصبح يقوم على أساس ما تسهم به كل وزارة من إيرادات إلى خزانة الدولة. السؤال عند تقييم الوزير يكون: "هو بيدخل لخزانة الدولة كام؟". الوزير الشاطر هو الذي يورد إلى خزانة الدولة أموالا أكثر، ويقلل المصروفات. بمعنى آخر فإن تحويل مؤسسات وأجهزة الدولة إلى وحدات جباية، يقترب من أن يكون أساس عمل هذه المؤسسات، وأساس احتفاظ الوزراء بمقاعدهم.

الوزير معيط أعد "البيان المالي التمهيدي" ثم وافقت عليه الحكومة، وسيعرض على "مجلس نواب الشعب" للمناقشة، قبل أن يصدر المجلس قانونا ملزما للمجتمع يصدق عليه السيد رئيس الجمهورية، يتضمن حقوقا جديدة للدولة في الجباية من المجتمع.

في قراءتي لهذا البيان، سأدخل إليه من مداخل مختلفة، مدخل واحد في كل مرة، على أن أستخلص في النهاية مجموعة من الملاحظات الكلية.

المدخل الأول الذي سأقرأ "البيان المالي التمهيدي من خلاله هو "أعباء سداد القروض" أو" خدمة الديون".

الحكومة تقترض لتسد جزءا من عجزها المالي، فالحكومة عاجزة ماليا منذ عقود وليس منذ سنوات. كذلك تقترض الحكومة لتمويل إقامة بعض المشروعات، فالحكومة ليست لديها مصادر محلية لتوليد دخل كاف لتمويل الإستثمار. وتقترض الحكومة أو تحصل على تسهيلات مالية لسداد تكلفة استيراد الغذاء، وذلك لأن سياستها الزراعية جعلت الفلاحين يهربون من زراعة محاصيل غذاء الإنسان، ويفضلون زراعة محاصيل علف الحيوان. والحكومة فوق كل ذلك تقترض لتسد فوائد وأقساط الديون المستحقة عليها.

قرار الإقتراض سهل، والحكومة التي تحصل على القروض، ليست هي التي تسددها. الذي يسدد هو المواطن، ومشقة السداد تقع على كاهل المواطنين الحاليين والذين لم يولدوا بعد، وليس على الوزراء ومسؤولي الحكومة.

وقد تزايد عبء فاتورة خدمة الديون (سداد الأقساط + الفوائد) في السنوات الأخيرة زيادة سريعة، وقفزت الفاتورة من 20% إلى 30% ثم إلى 50% ثم تجاوزت 50% من المصروفات الكلية في السنة المالية الأخيرة مسجلة (57.2%). ومع أن الوزير معيط يحاول بكل الطرق التلاعب في أرقام الموازنة، لأنه يعتبر نفسه أشطر تلاميذ مادة المحاسبة في وزارته، فإنه في السنة المالية الجديدة يواجه وضعا شديد الصعوبة، أسوأ بكثير من الذي يمر به الآن.

الوزير معيط حصل من مجلس الوزراء على موافقة على مشروع الموازنة العامة الجديدة للدولة، وهي موازنة العام الأخير من برنامج (التخريب الإقتصادي) المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، والذي تسميه الحكومة برنامج "الإصلاح الإقتصادي". بعدها تجف منابع القروض، وتبدأ مرحلة سداد الفواتير.

وطبقا للبيان المالي التمهيدي، فإن قيمة الفوائد المستحقة على الديون في السنة المالية الجديدة تبلغ 596.1 مليار جنيه تقريبا. ولم يتضمن المشروع المنشور رقما محددا لقيمة الأقساط المستحقة السداد خلال السنة. وسوف نفترض أن قيمة الأقساط ستكون في حدود 555 مليار جنيه بنسبة 9% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 8%تقريبا في العام الحالي.

وفي كل الأحوال فإني أرجو من الوزير معيط أو المسؤول عن قطاع الموازنة في وزارة المالية أن يفصح عن البيانات التفصيلي لبنود خدمة الديون التقديرية في الموازنة الجديدة والجهات صاحبة الإستحقاقات، فإن ذلك سيساعد على تقديم صورة أكثر اكتمالا.

ومع ذلك، وعلى هذا أساس التقديرات المتاحة حاليا، من المرجح أن تصل قيمة فاتورة أقساط وفوائد الديون إلى 1150 مليار جنيه تقريبا في السنة المالية الجديدة، أي ما يقرب من خمس قيمة الإنتاج المحلي، وما يتجاوز قيمة الحصيلة الضريبية، وما يعادل نحو ثلاثة أرباع المصروفات في مشروع الموازنة، وما يزيد عن ثلاثة أمثال مخصصات الأجور، وأكثر من ستة أمثال مخصصات الإنفاق على التعليم والصحة، وأكثر من 13 مثل مخصصات الإنفاق على دعم السلع الأساسية للفقراء.

وسوف نتحسر مع شوقي، عندما كان في منفاه، وهو يهتف حزينا في حب وطنه، متسائلا "أحرام على بلابله الدوح، حلال للطير من كل جنس؟" حرام أن ترى بعينيك عرقك يتسرب شقاءا لك، وشلالات من الثروة إلى الدائنين، بسبب سياسات حمقاء.

تكلفة خدمة الديون تعادل ما يلي في العام المقبل:

- 183.7% من حصيلة الضرائب الكلية، حيث تبلغ الإيرادات الضريبية 856.7 مليار جنيه. بينما فاتورة فوائد الديون وحدها (أي بعدم احتساب الأقساط) تعادل حوالي 70% من الحصيلة الكلية للضرائب.

- 73.1% من إجمالى المصروفات، حيث تبلغ المصروفات التقديرية 1574 مليار جنيه.

- 17.8% من الناتج المحلي الإجمالي، المقدر بنحو 6.16 تريليون جنيه مصري.

- أكثر من 3 أمثال قيمة الأجور والمرتبات.

- أكثر من 6 أمثال مخصصات الإنفاق على التعليم العام والتعليم الجامعي والصحة مجتمعين.

- أكثر من 13 مثل مخصصات الإنفاق على دعم السلع التموينية.

هذه النسب والأرقام مبنية على التقديرات الأولية لمشروع الموازنة. وفي أغلب الأحوال فإن الحكومة تتجاوز تقديرات الموازنة؛ ففي العام الحالي قدرت الحكومة قيمة مدفوعات الفوائد فقط بنحو 541 مليار جنيه. لكن الأداء الفعلي، وبناء على أرقام الأداء للنصف الأول من السنة المالية، يشير إلى أن قيمة الفوائد المسددة من المرجح أن ترتفع إلى 563.6 مليار جنيه. وقد ذكر الوزير معيط أنه استطاع تدبير مبلغ لتخفيض قيمة الفوائد؟؟؟ ولا أعلم على وجه التحديد كيف استطاع الوزير تدبير المبلغ!!! ربما يكون على أي حال، مثله مثل محافظ البنك المركزي، يحتفظ كل منهما بجزء من أموال موازنة الدولة في مكان سري يعلمه هو وحده.

ومما يزيد من خطورة أعباء الديون، أن الحكومة التي تقسم بأغلظ الأيمان إنها تعمل على تخفيضها، مرشحة الزيادة في السنوات المقبلة. وذلك لثلاثة أسباب،

- السبب الأول، هو أن معدل زيادة الديون يتجاوز معدل نمو الناتج المحلي بما يقرب من أربع مرات.

- السبب الثاني، هو أن القروض تستخدم إما في سداد ديون سابقة، أو في تمويل مشروعات ذات عائد منخفض وفترة تفريخ طويلة، أو بغير عائد مضمون.

- السبب الثالث، هو أن الحكومة، حتى السنة المالية الحالية، تتوسع في التمويل باستخدام قروض قصيرة الأجل. وتبلغ نسبة الديون القصيرة الأجل في الموازنة المعمول بها حاليا أكثر من 13% من الدين الخارجي مقارنة بنسبة كانت 7.9% في نهاية يونيو 2014. أي أن النسبة تضاعفت خلال السنوات الخمس الأخيرة.

ومع ذلك، فإن الحكومة تردد أن مستوى الديون آمن، وأقول إن هذه حجة بالية وخاطئة. مستوى الدين العام غير آمن، ومستوى الدين الخارجي غير آمن. في الحالتين المستوى أعلى من المتوسط العالمي للدول النامية ذات الدخل المتوسط المنخفض، ويتجاوز قدرة الإقتصاد المصري على السداد.

مذكرة صندوق النقد الدولي، عن المراجعة الرابعة للقرض، تقول صراحة أن الحكومة تجاوزت الرقم المستهدف للدين العام بنهاية يونيو 2018. وتحذر من تأثير الإفراط في التمويل بقروض قصيرة الأجل، وتؤكد أن تكلفة هذه الديون في مصر هي أعلى من مثيلاتها في الدول الشبيهة. ويقول الصندوق بوضوح لا لبس فيه، إنه حتى لو التزمت الحكومة بأهدافها في تخفيض الدين العام، فإنه سيظل أعلى من المتوسط العالمي للإقتصادات الناشئة الذي يبلغ 50% فقط.

ولا تتوقف الخطورة عند ذلك، وإنما قد تواجه مصر مأزقا ماليا شديدا عام 2021، لا يرجوه أحد منا، وهو أن يصل إلى درجة التعثر المالي، عندما يحل موعد سداد الدين المستحق لصندوق النقد الدولي، وغيره من الديون التي حصلت عليها مصر، بدعم من قرض الصندوق.

وقت السداد ليس بعيدا يا سادة، وهذا يعني زيادة أعباء خدمة الديون عن مستواها الحالي، بعد أن التهمت فعلا ما يقرب من ثلاثة أرباع إجمالي المصروفات في الموازنة العامة للدولة. فكيف ستواجهون الحقيقة، وقد جف ضرع البقرة الحلوب؟ 

د.ابراهيم نوار

باحث متخصص في العلاقات الاقتصادية والنزاعات الدولية،

اقرا ايضا