مقالات

فشل حملات تأييد التعديلات الدستورية

 

 يتم ترويج الحملات الدعائية الموجهة بغرض تعبئة المواطنين والتأثير عليهم لإقناعهم بضرورة إستحداث تعديلات دستورية وحشدهم للاقتراع فى الاستفتاء المزمع، يجرى ذلك عن طريق استخدام كافة ألوان الطيف الإعلامى التقليدى والجديد، ووسائل الاتصال المباشر وغير المباشر، من خلال الحملات وبيانات التأييد من أحزاب موالية أو تابعة ونقابات عمالية ومهنية والمجلس القومى للمرأة وروابط اجتماعية ومكونات مجتمعية، ولاقتات معلقة وملصقات، وفقرات إعلانية تلفزيونية وإذاعية يتحدث خلالها مشاهير من أكثر من مجال، وحوارات ضمن فقرات برامجية، وحتى لقاءات مباشرة مع شخصيات محلية يتصور أن لها تأثير فى محيط مجتمعها المحلى وتكون مؤيدة للنظام وتتقبل التحاور مع مسؤولين بالأجهزة الأمنية فى محافظاتهم وأخذ توصيات منهم لكيفية حشد الفئات المجتمعية لتأييد التعديلات أيا كان محتواها، إلى غير ذلك من أدوات.

يوظف فى كافة هذه الطرق جميع طرق الإقناع والتأثير الممكنة، وأحيانا التهديد بعدم مساندة وعرقلة ترشح البعض فى المجالس المنتخبة، ويشتمل أسلوب المزج بين الترغيب والتهديد (الجزرة والعصا)، واستخدام عبارات، مثل: "عشان يكمل الانجازات" "من حقه علينا" "الاستقرار" "تمكين المرأة" "تمكين الأقباط" "ربط المصريين بالخارج بوطنهم"، وخلاف ذلك من قضايا، إلا أن ذلك جميعا يأتى فى إطار مسائل هامة تسقط معها كل مبررات التعديلات الواهية التى تأتى أصلا فى غير محلها، وتنكشف كذب دعاوى من يردد مناصرته للتعديلات، حيث أن الحديث عن التعديلات المقصودة لتمديد فترة الرئاسة قد تغير الحديث عن عدد السنوات والفترات ووقت احتسابها، وذلك بفعل عدم القدرة على التعبئة لتأييد التعديلات المزمعة، وإدراك النظام أن هناك رفض شعبى عريض حتى مايتعلق بنسبة تمثيل المرأة (25%) أو الترابع وتستخدم لاستقطاب التصويت النسوى، فهذه النسبة لا تلبى الحقوق السياسية للمرأة المصرية، حيث أن هذه النسبة أقل من مثيلتها فى دول عربية أخرى حققت مبدأ التناصف لتمثيل النساء. 

ومن أبرز الحملات الدعائية  حملة "إعمل الصح"  التى يقودها حزب "مستقبل وطن" وتعبر عن فشل تام من حيث الشعار المستخدم الذى يحمل دلالات إقصائية ونبرة تهديد وفعل أمر وصيغة تخاطب الرجل وتقلل من شأن المرأة، فضلا عن عدم وضوح فى مضمون ما هى التعديلات أو توقيت الاستفتاء عليها، فالحملة تحاول التعبئة الجماهيرية للقبول بفكرة التعديل والتمديد للرئيس، وليس مجرد الحشد ليوم التصويت والاقتراع.  

فى هذا الصدد، اللافت للنظر فى حراك السودانيين والجزائريين أن الشعوب تتعلم من بعضها البعض دروس الثورات وتستفاد من تجارب من سبقها، سواء أن اكتملت أو لم تكتمل، ليس فقط فيما يتعلق بأدوات التظاهر والتعبير عن الرأى وآليات الاحتجاج، ولكن أيضا فى درجة التمسك بالمطالب والإصرار عليها وزيادة الوعى لقوة الشارع وتنامي الفهم والاستعياب للأساليب المضادة التى تستخدمها السلطات والقوى الكارهة للتغيير الثورى فى خطاباتها لتحجيم إرادة الشعوب، ذلك بدون جهود مراكز دراسات أو مخرجات مستودعات فكر أو أوراق أحزاب سياسية، مما يؤشر إلى تطور فى الحركات الاحتجاجية الشعبية العربية، وتنمية ملموسة فى الوعى الشعبى، كما أن تراكم الخبرات العربية ما بين ما حدث فى آواخر 2010 وحتى الآن يؤدى بلا شك إلى ما يمكن تسميته أفضل الممارسات الشعبية السلمية وتلافى الأخطاء فيما يخص تحركات مواطنين الدول العربية التالية التى ستشهد حراكا ثوريا، إلا أن تبقى مسألة هامة يتوقف عليها الوصول التام إلى معانى ودلالات "إسقاط النظام" بالكامل و"إذا الشعب يوما أراد الحياة"، وهى ما تتعلق بالبعد الخارجى وتأثيره، وشبكة المصالح للقوى الداخلية فعلا تحتاج إلى إجراءات تفكيكها وإعادة ضبط العلاقات والأدوار مع خصوصية حالة كل دولة وفق ثقافتها السائدة ومقوماتها ودرجة تطورها السياسية ومقوماتها الاجتماعية والاقتصادية.

لذا ما زال النظام يرى صعوبة فى تمرير مواد دستورية تمكنه من الحكم المطلق والبقاء لآجال أخرى، وتأجيل الديمقراطية، ولا بد أن الصعوبة هذه تتحول إلى استحالة حتى تتحقق التنمية المستدامة للأجيال الحالية والقادمة فى مصر.

 "الصح" هو ما ندافع عنه: أن تكون مصر دولة مؤسسات ومتقدمة ذات سيادة وطنية، فيها تعددية سياسية وتداول سلمى للسلطة.


محمد عبد الهادي

باحث فى العلوم السياسية وخبير فى الإدارة المحلية ومدرب متخصص فى المجالس الشعبية المحلية ومدير برنامج حوكمة


اقرا ايضا