مقالات

صفقة القرن تتحقق فعلا وتمهد لعصر السلام الإسرائيلي


شاهدت باهتمام شديد التسجيل المصور للحوار الذي جرى في واشنطن، الذي استضاف فيه معهد واشنطن للشرق الأدنى جاريد كوشنر، زوج إبنة الرئيس الأمريكي، ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط. كذلك شاهدت تسجيل النقاش الممتع الذي جرى بعد الحوار بين مجموعة من الخبراء. وأظن ان المعهد قدم خدمة جليلة للباحثين ولصناع السياسة في استضافة كوشنر، وأتاح فرصة مفيدة جدا لعدد من خبراء الشرق الأوسط المحترمين في التعليق على ما قاله كوشنر، والتنبيه على خطورة ما لم يقله

الحوار مع كوشنر أداره روبرت ساتلوف مدير المعهد. وكان ساتلوف قد نشر قبل أيام مقالا مهما جدا، استنتج فيه أن ما يسمى ب "صفقة القرن" أو خطة طرامب للسلام، لن تعلن ابدا! وهو استنتاج قوي، لكن الرجل قدم له بعناية.

الحوار كان مبارزة بين رجل "يعلم" وبين سمسار عقارات، لا يعنيه على الإطلاق تاريخ العقار الذي يعرضه للبيع، وإنما كل ما يعنيه، هو إيجاد مشتر له، بأي سعر، لأنه في هذه الحالة سيحصل على عمولة السمسرة. عندما وجه ساتلوف سؤالا فلسفيا إلى كوشنر عن المعيار الذي سيقيس به نجاحه او فشله، فإن كوشنر تهكم على الرجل، ورد بأن ذلك لا يعنيه، وأن ما يعنيه هو تحقيق تقدم بأي شكل، وتحت أي إسم.

النجاح من وجهة نظر كوشنر قد يكون في صورة اتفاق بين الأطراف، أو مجرد حوار أو مناقشة، أو تعاون ، وقد لا يكون أي شيئ من ذلك أيضا!

كوشنر لا علاقة له بالتاريخ، وإنما هو، حسب الحوار، يبدأ من الأمر الواقع والحقائق القائمة فعلا. التاريخ عنده يبدأ عام 2017 عندما كلفه حماه بالملف. كوشنر لا علاقة له بما يريده الفلسطينيون، ولا ما يطمحون إليه. وهو لا يريد منهم أن يحكموا على "خطته" بما ليس فيها، وإنما يطلب منهم أن ينسوا تماما ما كانوا يرددونه من قبل، وأن ينتظروا إلى الخطة بما هو فيها فقط، وأن يصدقوه.

وإذا كان هناك هدف محدد يعلنه كوشنر ويردده في المحافل، ترويجا لخطته فإن هذا الهدف يتمثل في تحقيق شيئين في وقت واحد، الأول هو توفير ظروف حياة أفضل للفلسطينيين، والثاني هو توفير شروط أمن أكثر قوة لإسرائيل (وكأن إسرائيل ليست آمنة بما فيه الكفاية)!

كوشنر حصر حواره في موضوعين، الأول هو إقامة علاقات جديدة بين إسرائيل والفلسطينيين، والثاني هو الترويج للحملة الانتخابية المقبلة لحماه دونالد طرامب الذي يسعى للفوز بفترة رئاسة ثانية.

وفي موضوع إقامة علاقات جديدة بين إسرائيل والفلسطينيين، لم يتحدث جاريد كوشنر من بعيد او من قريب عن موضوع الدولة الفلسطينية، ولم يلمح إليه . كذلك لم يتحدث كوشنر على الإطلاق عن العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، لم يتحدث عن الحدود، لم يتحدث عن اللاجئين، لم يتحدث عن شروط الأمن التي يراها من وجهة نظره تجعل إسرائيل "أكثر أمانا"، وهو يعرف انها سوبرمان في منطقة كسيحة بفضل حكامها.

الحوار مع كوشنر لم يتضمن، حسبما شاهدت مساحة لاسئلة من المدعوين، ولم يكن فيه أي نوع من انواع الإشتباك مع أفكار كوشنر، التي انتقاها هو، ولم يسمح لمدير المعهد أن يتجاوزها.

النقاش الذي دار بعد انتهاء الحوار مع كوشنر، كان عميقا وذكيا، شارك فيه بجدارة دينيس روس الدبلوماسي الأمريكي المخضرم في شؤون الشرق الأوسط، والجنرال الإسرائيلي مايكل هيرتزوج، وكل من ديفيد ماكوفسكي وغيث العماري.

تقديري الخاص، بعد أن شاهدت الحوار والنقاش، هو أن فرصة إعلان ما يسمى ب "صفقة القرن" قريبا هي فرصة ضعيفة جدا، واتفق كثيرا ما ما ذهب اليه روبرت ساتلوف في تقييمه، خصوصا وأن كل الأطراف تقريبا لا تعتبر السلام بين إسرائيل والفلسطينيين أولوية ملحة على أجندة السياسة في الشرق الأوسط.

في إسرائيل الاولوية الان هي لبناء تحالف قوي في الكنيست، وائتلاف حكومي متماسك بقيادة نتنياهو. لا توجد ضغوط على نتنياهو بشأن العلاقات مع الفلسطينيين، فهو يحصل على ما يريد بدون ضجة، وهذا هو المطلوب. هو حصل على اعتراف بالسيادة على الجولان، وحصل على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، كما أن خططه لتوسيع المستوطنات، ومد ولاية القانون المدني الإسرائيلي إلى الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية، تجري على قدم وساق. أعمال مد طرق سريعة جديدة تربط بين الكتل الاستيطانية لا تتوقف، وخط السكك الحديد الجديد بين تل أبيب والقدس يجعل الضفة جزءا من إسرائيل من الناحية اللوجستية. لماذا تعقيد الأمور إذن مع الدول العربية، وهو يتمتع بعلاقات هي أفضل ما تكون في أي وقت بين إسرائيل وبين الدول العربية؟

لا اظن أن نتنياهو شخصيا متحمس لفكرة إعلان ما يسمى بصفقة القرن، طالما أن مكونات الصفقة تتحقق في هدوء.

في فلسطين دولتان، واحدة في غزة، أصبحت مشاكلها مع إسرائيل مسؤولية مصرية، بينما اكتفت إسرائيل بالضربات العقابية السريعة الفورية. الدولة الأخرى في رام الله تحتضر.

ابومازن يلعب الان لعبة ذكية بتصعيد موضوع مدفوعات الضرائب والتأمينات الاجتماعية المستحقة للعمال الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل. هو يرفض حتى الآن استلامها للشهر الثالث على التوالي. هو يعرف انه بذلك يخلق أزمة للسلطة، وأزمة للعاملين الذين لا يتسلمون رواتبهم بالكامل (يحصلون عن نصف مستحقاته فقط). هو طلب تعويضات مالية من الدول العربية. السلطة الفلسطينية طلبت قرضا من الدول العربية وهي تعرف ان القادرين على تقديم القرض هم السعودية والإمارات والكويت. (قطر تدفع فعلا 15 مليون دولار نقدا على دفعات شهرية للسلطة لدفع مرتبات الموظفين.).

ابومازن يعرف أن السعودية والإمارات لن تدفعا له إلا إذا قبل المطلوب منه. هو لا يستطيع القبول، ولن يجرؤ. لكن ابومازن يصنع أزمة حياة يومية للفلسطينيين، يمكن أن تبرر له فيما بعد السعي لعقد اتفاق مباشر مع حكومة نتنياهو. نعم، على طريقة الرئيس الراحل أنور السادات، قد نرى أبومازن وهو يعلن إنه على استعداد لأن يذهب إلى أبعد مدى من أجل لقمة العيش لكل فلسطيني.

فلماذا اذن يتم إعلان صفقة تجلب الأعداء، وتزيد الضغوط على الأصدقاء.

الدول العربية تتعاون مع إسرائيل اكثر من اي وقت مضى، بما فيها سورية، وهي ليست في حاجة إلي غبار ما يسمى "إعلان صفقة القرن"، لماذا بينما مكونات الصفقة تتحقق اكثر واكثر كل يوم؟ ليس هناك ما يدعو لإعلان لافتات بخطوط عريضة وصريحة. السياسة العربية ليست كذلك. السياسة العربية هي إكذب.. واكذب.. واكذب. بينما تفعل في الواقع ما تريده إسرائيل.

الولايات المتحدة لديها مشاكل أكبر بكثير من مسألة بناء سلام بين إسرائيل والفلسطينيين. هذه مسؤولية إسرائيلية اولا وقبل كل شيئ. ليش ذلك فقط، بل إن الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة طرامب ستكون أحوج ما تكون إلى كل جهد للتركيز على حملة إعادة انتخاب طرامب لفترة ثانية. لماذا إذن يتم فتح جبهة بعيدة تستنزف الوقت والجهد، وتخلق نزاعات بين الأصدقاء؟ لماذا بينما كل شيئ يجري على ما يرام؟ طرامب سيبدأ حملته الرئاسية لانتخابات 2020 في خريف العام الحالي، وكل ما يعنيه هو أن ينجح. فلماذا يكون أحد عناوين الحملة الانتخابية موضوع قابل للفشل وملئ بالتعقيدات؟؟؟

وأظن ان "صفقة القرن" ما هي إلا مشروع " السلام الإسرائيلي في الشرق الأوسط" وهو مشروع يتحقق ويمضي بثبات. للذين ينتظرون ما يسمى ب "صفقة القرن" أقول أن الصفقة يجزي تنفيذها بالفعل. يجري تنفيذها بتفاهمات قوية، ومصالح مشتركة بين أطراف إقليمية، بقيادة إسرائيل. لا تشغلوا أنفسكم بالبحث عن تفاصيلها في بيان إعلامي أو في مؤتمر صحفي أو في مفاوضات سياسية؛ فهذه التفاصيل تتحول إلى حقائق جديدة، تقوم وتستقر في هدوء لكي تصنع " عصر السلام الإسرائيلي" في الشرق الأوسط. صفقة القرن حقيقة واقعة، هي عصر السلام الإسرائيلي

د.ابراهيم نوار

باحث متخصص في العلاقات الاقتصادية والنزاعات الدولية. 

اقرا ايضا