مقالات

د. ابراهيم نوار يكتب:سايكس - بيكو القرن الواحد والعشرين


في تاريخنا علامات وتواريخ فارقة. من أهم العلامات والتواريخ كانت اتفاقية سايكس- بيكو عام 1916. الاتفاقية التي سربتها حكومة البلاشفة في روسيا عام 1917، ولم يصدقها العرب، رسمت خريطة العالم العربي للمئة عام التالية.

الآن وبعد قرن على سايكس بيكو القديمة يواجه العرب سايكس- بيكو جديدة، من المرجح، في حال نجاحها، ان ترسم خريطة العالم العربي للمئة عام التالية.

من أكثر من 100 عام (23 نوفمبر 1917) وبعد انتصار ثورة البلاشفة، أمر الرئيس الروسي فلاديمير لينين بأن تنشر صحيفة البرافدا السوفيتية نص اتفاقية سايكس - بيكو الموقعة بين بريطانيا وفرنسا. الإتفاقية قضت بتقسيم أملاك الدولة العثمانية بين الدولتين، وحرمان روسيا، لأن حكومة البلاشفة عارضت الحرب، ورفضت المشاركة فيها.

خطوط التقسيم التي نصت عليها سايكس - بيكو ما تزال حتى الآن، بشكل عام، هي خطوط الحدود بين الدول في المنطقة العربية.

العرب إعتبروا تسريب البرافدا للوثيقة مجرد مؤامرة عليهم من السوفييت (الكفرة) ونكاية من نكاياتهم ضد الإنجليز والفرنسيين. العرب لم يصدقوا البرافدا.

الزمن يعيد نفسه بطريقة أخرى. بعد نحو 100 عام من سايكس - بيكو. صحيفة (إسرائيل اليوم)، ومعها (سبوتنيك) الروسية، سربتا ما قالتا إنه تفاصيل صفقة القرن التي يبشر بها دونالد طرامب. التسريب، بما جاء فيه من تفاصيل، يجب أخذه بجديه، وعدم الإستهتار به. ويجب على الأطراف المعنية في العالم العربي، بمن فيهم القيادات والحكومات، الرد على ما تم تسريبه. إذا كانت لدينا رغبة في التعلم من حكمة التاريخ.

أظن، وبصرف النظر عن محتويات ما جاء في التسريبات، بشأن تفاصيل ما يسمى "صفقة القرن"، أن الموضوع خطير جدا، وأن الرأي العام في العالم العربي، خصوصا في المشرق، يتعين أن يلعب دورا، في صياغة المستقبل من خلال حركة واعية، بعيدا عن الإنفعال والشحن العاطفي وتفريغ كل ذلك، فيما بعد، في شحنة غضب، "إحتجاج سياسي" ، بعدها تعود الأمور إلى طبيعتها، أي تعود ريمه إلى عادتها القديمة، وكأن شيئا لم يحدث، خصوصا بعد تفريغ طاقة الغضب في لاشيئ.

انا لن اناقش هنا ما جاء في التسريبات التي نشرتها (إسرائيل اليوم) الإسرائيلية و (سبوتنيك) الروسية، وما جاء على ألسنة بعض الضالعين في موضوع الصفقة مثل نتنياهو وطرامب وكوشنر وجرينبلات وغيرهم. ومع إني لا أعلم يقينا مدى صحة التفاصيل المنشورة، حول ما يسمى "صفقة القرن". لكني، مخلصا، أدعو إلى حوار عام، أصبح مستحقا وعاجلا ، وهو يدق أبوابنا ورؤوسنا، بلا صدى، منذ زمن، حول مستقبل المنطقة.

ولا اقصد بالمستقبل هنا ما نحلم به، أو ما نرجوه أن يكون، ولكني اقصد بالمستقبل ما نستطيع فعلا عمله على الأكثر خلال السنوات العشر المقبلة. هذا الذي نستطيع عمله، هو ما تتوفر لنا مقومات القدرة على تنفيذه، وتحويله إلى حقائق حية على الأرض. إن تجاهل ما يجري على الأرض، يعني عمليا إستمرار خلق حقائق جديدة بواسطة غيرنا، تتحكم فينا، بما يجعل الوضع أسوأ مما هو عليه.

إذا كنا ضعفاء، فلا يجب أن نستحي من ضعفنا، وأن ندفن رؤوسنا في الرمال. ولكن يجب أن ندرك أن تجاوز الضعف يحتاج منا إلى تغيير، بدءا من النقطة التي نقف عندها فعلا. عدم إدراك ذلك يعني أننا سنستمر في إعادة إنتاج الفشل، والإكتفاء باجترار الحسرة والأسى. دعك من هؤلاء المغرمين بإقامة احتفالات "الإنتصار" بعد كل هزيمة، فهذا هو حالهم لم يتغير منذ قرون من الزمان.

مرة أخرى، تسريب تفاصيل ما يسمى ب "صفقة القرن" يحتاج منا إلى تناول ما نشرته (إسرائيل اليوم) و (سبوتنيك) وما جاء على ألسنة بعض المسؤولين بجدية، وألا نكرر الخطيئة التاريخية التي ارتكبها العرب قبل أكثر من 100 عام، عندما سربت البرافدا السوفييتية نص وثيقة سايكس - بيكو، وهي الوثيقة التي قررت فعلا مصير المنطقة في ال 100 عام منذ توقيعها.

الآن، وبعد أكثر من 100عام بعد سايكس - بيكو،ونحن في مواجهة سايكس- بيكو جديدة، يتوجب علينا أن نثبت لأنفسنا،قبل أن 

.نثبت للآخرين أن هذه المنطقة ما تزال حية ذات إرادة مستقلة، وقادرة على الحركة والفعل، وليست جسدا مترهلا لا قوام له

د.ابراهيم نوار

باحث متخصص في العلاقات الاقتصادية والنزاعات الدولية 

اقرا ايضا