مقالات

د.ابراهيم نوار يكتب:الثقب الأسود في الموازنة العامة للدولة

بدأ العمل بموازنة العام المالى الجديد،الموازنة الجديدة هي مجرد خطة متوقعة للتدفقات المالية، وليست حساب تدفقات فعلية ،ويستطيع وزير المالية أن يحلم كما يشاء، وهو يضع توقعات للتدفقات المالية، فهو يضمن أنه لن يحاسب على ما يجئ فيها خصوصا وأن الحساب الختامي للموازنة، وهو الأهم من خطة التدفقات المالية يمر في العادة مرور الكرام في مجلس النواب.

وقد كتبت عن مشروع الموازنة التي بدأ العمل بها باستفاضة، ومع ذلك فإنني سأعود إليه كلما دعت الضرورة إلى توضيح بعض الأشياء، خصوصا عندما ينشأ التباس بين ما يقوله الوزير وبين الواقع، لكنني هنا سأعود إلى موازنة العام المالي الذي انتهى في 30 يونيو، لكي أتناول بعض القضايا التي يتجنب السيد وزير المالية الحديث عنها. السيد الوزير مغرم أشد الغرام بالحديث عن إنجازه العبقري في تحقيق "فائض أولى في الموازنة بنسبة 2%". الموازنة التي يقصدها الوزير لا تتضمن مصروفات سداد فوائد الديون.

ويجب أن يتذكر السيد الوزير ان خدمة الديون (الأقساط والفوائد) تعادل ما يقرب من 83% من الإيرادات في الموازنة السابقة. وهذا يعني أنه عندما يتحدث عن الفائض الأولى، فإنه يتحدث عن الفائض في 17% فقط من الموازنة، بعد استبعاد مصروفات خدمة الديون.

وللحقيقة ، فإن ما دفعني للكتابة هذه المرة، كان محاولة للامساك بخيط من الأمل في غد أفضل للمالية ، بعدما لاحظت أن العائد على أذون الخزانة قد سجل انخفاضا ملموسا خلال السنة المالية الأخيرة.

إنخفاض العائد أو سعر الفائدة علي أدوات تمويل الدين العام، يعني تقليل عبء خدمة الدين. وكلما انخفض سعر الفائدة بنسبة 1% فإن تكلفة خدمة الدين العام المحلي تنخفض بما يتراوح بين 4 إلى 5 مليارات جنيه، حسب النموذج القياسي الذي تستخدمه وزارة المالية.

وقد تمكنت الوزارة، مع البنك المركزي المصري، بالفعل من تخفيض متوسط العائد على أذون الخزانة من 19.6% في بداية السنة المالية إلى 18.6% في المتوسط على مدار السنة كلها. الأكثر من ذلك، أن السلطات المالية والنقدية تمكنت من تخفيض العائد على أذون الخزانة بنقطة مئوية إضافية في الربع الأخير من السنة المالية المنتهية.

هذا يعني أن عبء الديون يتراجع، وأن هناك فرصة كبيرة لاستمرار هذا التراجع خلال السنة المالية الجديدة. وفي هذا فإن كلا من محافظ البنك المركزي ووزير المالية يستحقان التهنئة.

تخفيض العائد على أذون الخزانة من 19.6% في بداية السنة المالية إلى 17.4% في الربع الأخير منها، يعني تخفيض عبء الدين العام المحلي بما يصل إلى 10 مليارات جنيه سنويا.

ومع ذلك فإن توقعات السيد وزير المالية كانت غير ذلك تماما. المشروع الذي قدمه الوزير في العام الماضي، وحصل على الموافقة، كان يفترض تخفيض أسعار الفائدة على أدوات تمويل الدين العام إلى 14.6% في المتوسط خلال العام وليس إلى 18.6%. فإذا كانت الفائدة قد انخفضت فعلا، ولكن بنسبة 1% فقط في المتوسط على مدار العام، فإن ذلك يعني أن الوزير فشل في تحقيق التقدير الذي وضعه في مشروع الموازنة. الوزير فشل أيضا في تحقيق معدل التضخم المستهدف خلال العام.

الأخطر، الذي تحققت منه بعد مراجعة عطاءات أذون الخزانة (لم ادقق بعد أرقام إصدارات السندات بالعملة المصرية وبالعملات الأجنبية والقروض المصرفية واتفاقيات التمويل المربوطة بمشروعات محددة)، أنني وجدت ان رقم الإقتراض عن طريق الاذون فقط خلال السنة المالية قد بلغ 1772 مليار جنيه مصري ، في حين ان مشروع الموازنة للسنة المالية الماضية افترض ان مجموع الاحتياجات التمويلية للموازنة كلها على مدار السنة يبلغ 714.6 مليار جنيه ، تشمل ما يلي :

- العجز الكلى 438.6 مليار جنيه

- سداد القروض المحلية 243.7 مليار جنيه

- سداد القروض الأجنبية 32.3 مليار جنيه

ونظرا لأن الوزير طبعا في كل تقديراته، يستبعد أعباء فوائد الديون المتراكمة، فإننا أضفنا قيمة فوائد الديون المقدرة في مشروع الموازنة السابقة بنحو 541.3 مليار جنيه، وهو الرقم الذي تجاهله الوزير. وبذلك فإن إجمالي قيمة الاحتياجات التمويلية (يشمل الرقم الكلى الوارد في مشروع الموازنة + قيمة سداد فوائد الديون) لا يتجاوز باي حال من الأحوال 1256 مليار جنيه.

فإذا كانت الحكومة قد باعت في السوق أذون خزانة فقط بقيمة 1772 مليار جنيه خلال السنة المالية (طبقا للبيانات التي جمعتها من متابعتي للعطاءات الاسبوعية لأذون الخزانة) ، فهذا يعني أن لدينا فجوة سوداء مجهولة إبتلعت ما قيمته أكثر من 500 مليار جنيه. هذا ثقب خطير في حسابات الحكومة، لا شك أن وزير المالية يجب أن يكشف عن حقيقته.

نحن لم نتناول بعد حصيلة بيع السندات بالعملة المحلية ، وحصيلة بيع السندات بالدولار وباليورو، وحصيلة القروض، ومنها شريحتي قرض صندوق النقد خلال العام المالى بقيمة 4 مليارات دولار، وحصيلة الإتفاقات التمويلية المرتبطة بتمويل مشروعات محددة، منها مشروعات يمولها البنك الدولي وأخري يمولها بنك الاستثمار الأوروبي وغيرها. ولهذا حديث آخر. وكذلك لنا حديث آخر لتوضيح كيف تم اعتصار الاقتصاد الحقيقي للمجتمع، من أجل تحسين صورة القيود المحاسبية في مالية الدولة، بقصد إظهار ما يسميه الوزير المختص ب "الفائض الأولى"، والتغني بذلك في الذهاب وفي الإياب .

السيد وزير المالية مطالب بأن يعلن على الملأ قيمة حصيلة إصدارات أذون وسندات الخزانة، والقروض الخارجية والمساعدات، والمنح التي حصلت عليها الدولة خلال السنة المالية الماضية، وأوجه صرفها المختلفة، ومقارنة ذلك بما كان قد ورد في مشروع الموازنة، والعبء الذي ستتحمله الموازنة الجديدة بسبب ذلك.

السيد الوزير المختص بإدارة المالية العامة للدولة يتحمل مسؤولية أخلاقية ومهنية وقانونية وسياسية، تجاه المواطن الذي يمول مالية الدولة من عمله، ومن عرقه، ومن مدخراته. هذا المواطن هو كائن حي، وليس رقما في دفتر المالية، هو الذي يمول المالية، وهو الذي يدفع ديونها، وهو الذي يتحمل تكلفة أخطائها. ومن ثم فإن هذا المواطن يستحق أن يعرف بمنتهى الشفافية كم اقترضت الحكومة، وفيم وكيف أنفقت ما اقترضته.

د.ابراهيم نوار

باحث متخصص في العلاقات الاقتصادية والنزاعات الدولية


اقرا ايضا