مقالات

معنى القبض على زياد العليمي وحسام مؤنس

عرفت زياد العليمي وعملت معه منذ التقينا في الحملة الرئاسية للبرادعي في 2011، وعرفت حسام مؤنس وعملت معه منذ التقيته في الحملة الرئاسية لحمدين صباحي في 2014، وأكن لكليهما الكثير من المحبة والاحترام. ورغم اختلافاتي مع كل منهما إلا أنهما – في رأيي – نموذجان رائعان للسياسين الذين يمكنهم إخراج مصر من الظلمات إلى النور. وحين كتبت مقال من سيقود مصر إلى النور كنت أفكر فيهما – وآخرين من هذا الجيل الذي بلورته ثورة يناير ولا يزال يبحث عن طريقه نحو قيادة العمل العام.

لكن هذا المقال ليس عن زياد العليمي وحسام مؤنس كأشخاص، وإنما عما يعنيه القبض عليهما لإمكانية بناء تنظيم ديمقراطي يخرج مصر من الفشل والاستبداد.

ماذا كان زياد العليمي وحسام مؤنس يفعلان؟

كانا يبنيان تحالفا ديمقراطيا من شباب بعض الأحزاب والمستقلين ليخوض انتخابات مجلس الشعب القادمة. والمتابع يدرك حرصهما على اشراك الأحزاب والتكتلات والشخصيات “الوسطية” والبعد عن كافة أشكال الراديكالية. الفكرة الرئيسية من هذا التحالف – كما أفهمها – تضم ثلاث عناصر:

1- العمل تحت مظلة القانون والدستور القائمين وعدم تحدي شرعية النظام القائم بأي شكل

2- طرح قيادة من جيل جديد تضم سياسيين ومستقلين مهتمين بالعمل العام، يجمعهم الالتزام بقواعد الديمقراطية والعدالة الاجتماعية

3- تجاوز الراديكالية الثورية واشراك تكتلات وشخصيات قريبة من النظام الحالي والسابق (المعروفين بالإصلاحيين)

والهدف من هذا التكتل هو كسب (أو استعادة) ثقة الناس العادية، ومحو الصور السلبية التي الصقها الإعلام الرسمي بكل من شارك في الثورة، وإعادة تقديمهم باعتبارهم شخصيات جادة لا تسعى لهدم الدولة أو تطالب بمطالب مستحيلة دون طرح بدائل وسياسات واضحة تحقق هذه المطالب. باختصار، بناء قوة سياسية ديمقراطية تعمل في اطار النظام القائم لاكتساب التأييد الشعبي حول القضايا التي تهم الناس.

كيف يفترض أن يحقق هذا التكتل ذلك الهدف؟

الجديد فيما كان زياد العليمي وحسام مؤنس يفعلانه ليس فقط ما سبق، وانما تحويل هذا التكتل إلى آلية تبلور سياسات واقعية وعملية توقف الفشل المتنامي للدولة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة. فبما إن هذا التكتل يسعى لدخول الانتخابات، فهو يحتاج لبرامج انتخابية، وبدلا من أن يطرح برامج وشعارات عامة منقولة من هنا على هناك، يقوم – من الآن وحتى موعد الانتخابات – بتنظيم مناقشات وورش عمل حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية التي تحتاجها مصر، أي بلورة رؤية لحكم مصر تحظى بتأييد واسع، وخارجة من خبرات الناس وتعاملهم مع المشكلات، بحيث تحظى بتأييد شعبي أوسع حين يطرحها هذا التكتل كبرنامج انتخابي.

بمعنى آخر، كان الهدف أن يشكل هذا التكتل نواة للتنظيم الذي افتقده أنصار الديمقراطية منذ الثورة وحتى الآن، وأن يطرح رؤية عملية واقعية لحكم مصر، وهي الرؤية التي افتقدها أنصار الديمقراطية منذ الثورة وحتى الآن.

وكيف يحمي هذا التكتل نفسه من بطش الأمن؟

يعرف زياد العليمي وحسام مؤنس ومن معهم جيدا انهم يتحركون في بيئة خطرة وان أجهزة الامن تتربص بأي تحرك سياسي ومن ثم فإن السؤال لم يكن كيفية تفادي البطش بل عن وسائل تقليل فرصه ورفع تكلفته. الإصرار على اشراك الأحزاب رغم عقمها هو أحد هذه الوسائل، باعتبار أن الأمن سيفكر كثيرا قبل البطش بمبادرة تضم كل هذه الأحزاب. التأكيد على العمل تحت مظلة القانون والدستور والمؤسسات القائمة وسيلة أخرى، باعتبار أن البطش بمجموعة تحترم الشرعية القائمة سيجعل الأمن يبدو غشيما بزيادة أمام أنصار النظام أنفسهم. العمل في النور، واشراك تكتل 25-30 البرلماني وشخصيات “إصلاحية” غير راديكالية وسيلة أخرى، وهكذا.

ولكن لم يجد أي من هذا نفعا. أثبت الأمن أنه لن يسمح بأي عمل سياسي تنظيمي من أي نوع، راديكالي أو إصلاحي أو ما بينهما. وأنه لا يهتم بالأحزاب القائمة ولا البرلمان ولا يقيم لهم أي وزن. كما أثبت الأمن أنه لا يهتم بالتكلفة السياسية للبطش، لا إزاء أنصاره ولا إزاء غيرهم. بل أثبت أنه لن يبذل حتى مجهودا في حياكة تهم ذات مصداقية وانما سيوجه أكثر التهم عبثا وغرابة: أن خصوم الإخوان هم إخوان، وأن من يريدون العمل في إطار القانون يسعون لهدم القانون، وأن من يريد الترشح للانتخابات يهدم الدولة، وأن الأمل مؤامرة. بل أثبت الأمن أنه يستطيع توجيه تهم علنية – في بيانه الإعلامي – تختلف عن التهم الموجهة فعليا أمام النيابة. الخلاصة، أنه سيقبض على من يريد ويلقي بهم في السجن أيا كانت التفاصيل ومهما كانت عبثية القضية واضحة.

والخلاصة؟

كنت قد دعوت في مقال سابق إلى بلورة مشروع التغيير جوهره التركيز على بلورة رؤية لإصلاح أحوال مصر بشكل جذري، لا التركيز على انشاء تنظيم سياسي. مشروع زياد العليمي وحسام مؤنس ومن معهما كان يجمع الأمرين: نواة بناء تنظيمي ونواة بلورة رؤية التغيير. وكما نرى، ليس هناك أي فرصة للتنظيم السياسي العلني على بر مصر في الوقت الحالي. كل ما أمامنا – غير الصمت والسكون – هو العمل على بلورة هذه الرؤية التي نتحدث عنها، وهي – في رأيي – ممكنة من خلال نشاطات لا يمكن للأمن وقفها.

غير ذلك، نركز على إخراج زياد العليمي وحسام مؤنس وبقية المحبوسين في هذه القضية وغيرها من السجون.

   عز الدين شكري فشير
رابط المقال:

اقرا ايضا