مقالات

ابراهيم نوار يكتب:الصراع في عدن

 هذا المقال يتناول الوضع في اليمن بعد قرار الإمارات بالانسحاب من عدن، والعملية التي راح ضحيتها العميد منير اليافعي (ابو اليمامة) قائد قوات الحزام الأمني التي حشدتها ودربتها الامارات. وتظهر التطورات الأخيرة بوضوح حدة الصراع بين قوات المجلس السياسي الانتقالي (الحلف الإماراتي) ، في مواجهة الحلف السعودي المتمثل الان في قوات (الشرعية) التي يقودها على محسن الأحمر رجل التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمون)، الذي تتم كز قواته في مأرب وبعض المناطق الأخرى، ويحظى بعلاقات قوية مع تنظيمات القاعدة في حضرموت ومع جماعات القراصنة الصوماليين في باب المندب. 
 من الواضح الآن أن الحوثيين انتهزوا فرصة انفجار صراع بين قوات الانتقالي المدعومة من الإمارات، وبين قوات حكومة عبد ربه منصور هادي بقيادة على محسن الأحمر المدعومة من السعودية لتحقيق هدفين، الأول :هو تطبيع الحياة في مدينتي الحديدة (الميناء)، وفي العاصمة صنعاء، من حيث الأوضاع الإنسانية والمعيشية، وذلك بعقد اتفاق مع الأمم المتحدة لاسئناف توزيع المساعدات، والثاني :هو التفرغ لتوجيه ضربات مكثفة إلى المطارات والمدن السعودية القريبة خصوصا مدينة أبها. وفي الوقت نفسه يراقب الحوثيون عن قرب تطورات الصراع في عدن لحساب اتجاه خطوتهم المقبلة. زيارة الشيخ محمد بن زايد للسعودية بدعوة من الملك سلمان، ومحاولات التهدئة المعلنة، بما في ذلك الدعوة إلى حوار في السعودية بين الطرفين المتصارعين في الجنوب، لن تنهي الصراع بين "الشرعية" المدعومة سعوديا وبين "المجلس السياسي الانتقالي" المدعوم إماراتيا. أقصى ما يمكن أن يتحقق هو مجرد تهدئة شكلية فقط، لأن الصراع في الجنوب هو في حقيقته صراع بين ثلاثة مشروعات متباينة. المشروع الأول هو المشروع الإماراتي الذي يهدف إلى مد نفوذ الامارات من بحر العرب إلى باب المندب إلى القرن الأفريقي الكبير، مرورا بالصومال واثيوبيا واربتريا إلى السودان وليبيا، وصولا إلى البحر المتوسط. اليمن مجرد محطة من محطات المشروع الإماراتي. ولن تضحي الإمارات بمشروعها حبا في السعودية. المشروع الثاني هو المشروع السعودي، الذي يسعى إلى قيادة العالم الإسلامي (السني) في مواجهة إيران، وتكريس قيادة السعودية لهذا العالم على حساب كل من مصر وتركيا، حيث تمثل القاهرة وانقرة أكبر العواصم المنافسة للرياض في الشارع السني عربيا واسلاميا. وتعتبر السعودية حربها في اليمن رمزا للقيادة السعودية للعالم السني في مواجهة إيران. ومع ذلك فإن بلاد اليمن تمثل أهمية خاصة للسعودية إستراتيجيا واقتصاديا، وتريدها ان تصبح قاعدة لنفوذها طلبا لأمن المناطق الجنوبية والملاحة في مضيق باب المندب، وفتح طريق جديد للسعودية إلى بحر العرب، خصوصا في ظل وجود احتمالات قوية لتحقيق اكتشافات ضخمة للنفط، والغاز في منطقة الربع الخالي الممتدة بين السعودية واليمن وسلطنة عمان. أما المشروع الثالث لليمن عموما فهو المشروع الإيراني الذي يسيطر حاليا على صنعاء العاصمة وعلى الحديدة الميناء الرئيسي لليمن، إضافة إلى أجزاء كبيرة من تعز ومن الساحل الغربي لليمن، خصوصا المنطقة الممتدة من المخا إلى ميناء ميدي الصغير القريب جدا من السعودية. المشروع الإيراني يتجسد من خلال تحالف وثيق مع تنظيم (أنصار الله) او جماعة عبد الملك الحوثي، ويمثل امتدادا للنفوذ الإيراني في شبه الجزيرة العربية، ضمن مشروع أكبر للشرق الأوسط ككل (الشرق الأوسط الإسلامي) الذي تعتبره طهران محور نفوذها في العالم. من الواضح أن كل مشروع من المشاريع الثلاثة لليمن يقوده طرف إقليمي إعتمادا على حليف يمني. بينما يغيب عن ساحة الصراع في اليمن بشكل عام مشروع يمني مستقل محدد الملامح، له قيادته وقدراته العسكرية والسياسية والاقتصادية، وآليات عمله، وآفاق تطوره. هذا المشروع اليمني الغائب، هو المتغير الأصيل الذي يمكن أن يضع حدا للصراع الدائر في اليمن الان. اليمن في كل مشروع من المشاريع الثلاثة المصارعة مجرد محطة، أو قطعة على لوحة شطرنج، يرتبط مصيرها بقطع أخرى تشكل معا خريطة صراع أوسع وأكثر تعقيدا. 
ومع ذلك فإن وجود مشروع يمني مستقل لا يعني انقطاع الصلة مع حلفاء إقليميين ودوليين، قد يساعدون في إعادة بناء (اليمن السعيد)، ولهذا فإن قوى الصراع اليمنية الأصيلة سيتوجب عليها التقريب فيما بينها وإدارة علاقات افضل مع الإقليم ومع العالم. ويجب أن أشير هنا أيضا إلى أن قوى المجلس السياسي الانتقالي بقيادة عيداروس الزبيدي ليست متجانس تماما، وإنما توجد وسطها مكونات متباينة، بل شديدة التباين، تتراوح بين الانتماء للحزب الاشتراكي اليمني، وبين الانتماء التيار الديني السلفي الذي انتفض دفاعا عن عدن عندما اقتربت منها قوات الحوثي عام 2015. هذا التباين من المحتمل أن يضعفها، اذا لم تنتبه القيادة لذلك وتحول دون استغلاله من جانب الخصوم.

د.ابراهيم نوار

باحث متخصص في العلاقات الاقتصادية والنزاعات الدولية

اقرا ايضا