مقالات

القتل بالكلمات

في عام 1994 أصدر مجلس الأمن الدولى قراره القاضى بإنشاء المحكمة الدولية المفوضة بمحاكمة المسؤولين عن أعمال الإبادة الجماعية وغيرها من الانتهاكات التى حدثت خلال أعمال العنف والإبادة التى نتجت عنها فى رواندا، واستمرت المحكمة الجنائية الدولية فى مباشرة أعمالها التى فوضت بها بموجب قرار مجلس الأمن لسنوات أصدرت خلالها أحكامًا عدة ضد المسؤولين عن العنف والمحرضين والقائمين عليه. وفى 15 مايو 2000 حكمت المحكمة الجنائية الدولية على الإعلامى الرواندى جورج روجيه بالسجن 12 عامًا بعد أن ثبت أنه مذنب بتهمة التحريض المباشر للجماهير للقيام بأعمال عنف ضد سكان مدنيين من خلال رسائل منظمة انتشرت بين المواطنين، حيث كان مقدم برنامج إذاعى شهير بالإذاعة المحلية وحرض على ارتكاب جرائم عنف ضد التوتسى وحلفائهم مستخدمًا لغة تحرض على العنف وتدعو إلى القتل، كما اتهمت نفس المحكمة فرديناند ناهيمانا أحد مؤسسى الإذاعة المحلية التى كان يعمل بها المتهم الأول بذات التهم، وحكمت عليه بالسجن 30 عامًا. كما حكمت نفس المحكمة المكلفة بالتحقيق فى جرائم روندا بالسجن 35 عامًا على حسن ناجيزى بذات التهم، لأنه كان ناشرا، ورئيس تحرير مجلة يومية حرضت على العنف ضد التوتسى، وحثت على معاملتهم على أنهم أقل من البشر. عندما أتذكر هذه المحاكمات التى تمت ضد صحفيين وإعلاميين باعتبارهم ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية، وصدر عنهم خطاب تحريضى أدى إلى قتل عدد كبير من المواطنين، أتذكر وسائل الإعلام التى تلعب نفس الدور وتقوم بالتحريض على مواطنين مصريين وتتهمهم بأنهم مهدوا الطريق للإرهابيين، أو يسعون لهدم الدولة المصرية مدفوعين بأياد خارجية، وما نتج عنه من تعرض عدد منهم لهجوم مواطنين آخرين عليهم فى الشوارع أو تعرض بعضهم للقتل أو الإصابة أثناء ممارستهم حقهم فى التظاهر السلمى. إن أحكام المحكمة هذه وقوانينها هى تراكم لتراث إنسانى دفعت الإنسانية دماء كثيرة ثمنا لها وما أحوجنا إليها حفاظا على دمائنا. العنف والتحريض على العنف الذى يؤدى لقتل المواطنين جرائم ضد الإنساية لا تسقط بالتقادم، ولا يفلت مرتكبوها من الحساب، القتل لا يكون فقط باستخدام الأسلحة، فالسلاح يمكن أن يقتل عددا محددا من الأشخاص، بينما الكلمات التى تحرض على العنف تقتل عددا لا يمكن إحصاؤه، وغالبًا ما ينجم عن ارتكاب جريمة القتل بالكلمات عدد أكبر من الضحايا. الإعلام هو الوسيلة التى تكفل حريتها حق المواطن أن يعلم ما يدور حوله وكيف يفكر الآخر، وتكفل له أن ينشر أفكاره، لكنها أيضا ليست سلطة مطلقة، وليست حرية دون مسؤولية، نتمنى على الإعلاميين أن تكون مسؤوليتهم نابعة عن إرادة ورغبة لا عن اضطرار وقسر. عزيزى الإعلامى المسؤول عن منبرك سواء كان مقالا أو برنامجا إذاعيا أو تلفزيونيا، فكر جيدًا قبل تلقى الاتهامات، وقبل أن تحرض ضد مواطنين آخرين قد يدفعون حياتهم ثمنًا لتحريضك هذا، فكر قبل أن تسعد بوسيلة إعلامك أو تسعد برضاء من بيده مقاليد الأمور، فكر.. هل أنت مستعد لدفع الثمن الأخلاقى والقانونى؟ لا تمنى نفسك بالهروب، فهذا ما فعله من سبقوك، لكن بقت حقيقة واحدة واجهوها وسنواجهها جميعا فى النهاية، هى أن الحساب وثمن التحريض سيتم دفعه لا محالة

زياد العليمي
الرابط الأصلي للمقال:

اقرا ايضا