مقالات

د.ابراهيم نوار يكتب:تخفيض أسعار الفائدة خطوة في الإتجاه الصحيح


قرار لجنة السياسة النقدية أمس بتخفيض سعر الفائدة الأساسي بنسبة 1.5% هو خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح نحو تقليل أعباء تمويل خدمة الدين العام، وتشجيع الاستثمار، وإفساح المجال للتحول من التركيز على قطاعي العقارات وتجارة التجزئة إلى الصناعات التحويلية والصادرات، والمساعدة على تحريك سوق العقارات وإخراجه من حالة الركود الراهنة. كل ذلك من شأنه خلق فرص عمل جديدة، وزيادة الطاقة الإنتاجية.

سعر الخصم الجديد الذي أعلنه البنك المركزي (14.75%) يزيد عن معدل التضخم السنوي لشهر يوليو البالغ 8.7% بنحو ست نقاط مئوية، وهو ما يعني استمرار العائد على المدخرات المالية داخل حيز إيجابي. هذا من شأنه أن يشجع القطاع العائلي على الإدخار في الأوعية المصرفية المختلفة ومنها شهادات الاستثمار. لذلك فإنه لا محل للقلق من نضوب المدخرات، بعد أجل إستحقاق شهادات قناة السويس.

تخفيض سعر الفائدة بنسبة 1.5% يعني نظريا تخفيض عبء خدمة الدين العام أو مدفوعات الفوائد بحوالي 6 مليارات جنيه، وهو ما سيساعد الحكومة على تخفيض قيمة العجز المالي المستهدف في موازنة العام الحالي. أما من الناحية العملية فإن ذلك يتوقف على قيمة اقتراض الحكومة من الجهاز المصرفي.

ولقد قمت بحساب قيمة الإقتراض الحكومي لشهر يوليو 2019، ومقارنته بشهر يوليو من العام الماضي. واظهرت المقارنة النتائج التالية:

- مجموع الإقتراض المحلي (أذون وسندات خزانة) وصل إلى حوالي 198 مليار جنيه مقارنة بنحو 170 مليارا، بنسبة زيادة 16.4% تقريبا.

- تكلفة الإقتراض إنخفضت في يوليو 2019 إلى 17.6% تقريبا (بالنسبة لاذون الخزانة) مقارنة ب 19.2%، كما انخفضت تكلفة سندات الخزانة إلى 15.8% مقارنة ب 17.6%.

- هذا يعني أن تكلفة الإقتراض الحكومي لتمويل العجز المالي محليا قد تراجعت فعلا قبل قرار البنك المركزي، وبنسبة أكبر (حوالي 2%). وهو ما يخفض التكلفة السنوية للدين بنحو 3.2 مليار جنيه لشهر يوليو الماضي مقارنة بشهر يوليو 2018.

- مع ذلك فإن التكلفة المطلقة للفوائد المستحقة على الدين الحكومي في يوليو 2019 بلغت حوالي 35 مليار جنيه ، مقابل 33 مليار جنيه تقريبا في يوليو 2018. بزيادة قيمتها 2 مليار جنيه تقريبا.

- هذه الزيادة في تكلفة خدمة الدين، على الرغم من انخفاض العائد المستحق على الأذون والسندات، هي نتيجة زيادة قيمة الإقتراض الحكومي لتمويل عجز الموازنة.

لهذا نقول بأن قرار البنك المركزي بتخفيض سعر الفائدة، لن ينتج الأثر المتوقع على الدين العام، الا اذا عمدت وزارة المالية إلى كبح معدل نمو الإقتراض المحلي، الذي يبلغ (طبقا للحسابات السابقة) حوالي 16% في حين ان معدل نمو الناتج المحلي في السنة المالية الماضية بلغ 5.6% فقط. (ملحوظة: الحسابات السابقة كلها مبنية على أساس تقارير وزارة المالية)

من ناحية أخرى، فإن قرار البنك المركزي بتخفيض أسعار الفائدة يتماشى مع الاتجاه العالمي لأسعار الفائدة المنخفضة على العملات الرئيسية، وتوقعات استمرارها عند مستويات منخفضة حتى نهاية العام الحالي على الاقل.

أيضا فإن القرار يتماشى مع توقعات تراجع الضغوط التضخمية العالمية ، خصوصا تلك الناتجة عن أسعار الطاقة (النفط الخام ومشتقاته والغاز المسال والطبيعي).

ومن المتوقع أن تواصل أسعار النفط والغاز تراجعها في الأشهر المقبلة تحت ضغط عاملين رئيسيين، هما الركود العالمي الذي قد يتحول إلى كساد يهدد العالم كله، وكذلك إعلان الولايات المتحدة انها ستبدأ بيع جزء من احتياطيها النفطي الاستراتيجي إعتبارا من الأسبوع القادم.

مرة أخرى، قرار تخفيض أسعار الفائدة صائب، وخطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح بشكل عام. لكن الاستفادة منه تتوقف على تخفيض الدين العام، وزيادة الاستثمار العام والخاص، والحد من الاستهلاك والانفاق الحكومي غير الكفء الذي ينطوي على إهدار للموارد. في نهاية الأمر سيكون نجاح هذه الخطوة، مرتبطا بالقدرة على توسيع الطاقات الإنتاجية وزيادة التشغيل والصادرات. واستطيع ان اقول بلا تردد ان البنك المركزي ما تزال لديه مساحة واسعة للمناورة وتخفيض أسعار الفائدة مرة أخرى على الاقل قبل نهاية العام الحالي

د.ابراهيم نوار

باحث متخصص في العلاقات الاقتصادية والنزاعات الدولية

اقرا ايضا