مقالات

د.ابراهيم نوار يكتب:المجتمع الناضج ...والمجتمع المقهور

المجتمع الناضج هو جماعة من الناس بقيمها وعاداتها وتقاليدها وثقافتها ومؤسساتها الطوعية، تكون قادرة على البقاء والنمو والإرتقاء بدون الحاجة إلى مساعدة خارجية، لا من غاز أو محتل أجنبى، ولا من دولة تتجاوز وظائفها حدود الدفاع والمحافظة على الأمن، وضمان تنفيذ القوانين، وتنظيم أمور الحياة داخل حدود الدولة، وتوجيه علاقاتها الخارجية بما يضمن تحقيق مصالح وأهداف وطموحات المجتمع أو جماعة الناس.

هذا المجتمع الناضج سابق في وجوده تاريخيا على وجود الدولة كما نعرفها. بمعنى آخر، فإن المجتمع أقدم من الدولة، وهو أيضا الذي يقرر لها، وليس العكس.

أما المجتمع المقهور فهو جماعة من الناس بقيمها وعاداتها وتقاليدها ومؤسساتها الطوعية، لا يستطيع البقاء ولا النمو والإرتقاء إلا بمساعدة خارجية، إما من غاز أو محتل أجنبى، أو من دولة تستبد به، وتتكفل هي بتقديم الطعام والشراب والمسكن والعمل والترفيه لأفراد، كيفما ترى وكيفما تشاء. بمعنى آخر فإن الدولة بالنسبة للمجتمع المقهور هي المرضعة أو (الناني) التي تكفله وهو صغير، وهي رب العمل الغريب الذي يرعاه في شبابه وفي شيبه، وهي التي تكفل أولاده من بعده.

في المجتمع الناضج تكون السياسة هي عماد العلاقة بين المجتمع والدولة، وتخلق السياسة حدودا واضحة لا تتجاوزها الدولة، وإنما يجب أن تلتزم بها، ويفرض المجتمع الناضج الإلتزام بها. وتوفر السياسة آليات للتغيير من أجل المستقبل، وتجديد نظام الإدارة لتسيير الحاضر، بما يحقق التحضر او التمدين والعدالة والرفاهية. ويثبت المجتمع الناضج، في كل لحظه، قوته في جماعيته واستقلال إرادته، عبر تنظيمات أو مؤسسات طوعية يقوم أفراده بإنشائها وتطويرها، وجعلها قادرة على البقاء والإستمرار.

أما في المجتمع المقهور، فإن العلاقة بين الأفراد والدولة، تقوم أساسا على مصادرة السياسة، وهو ما يعني تفتيت المجتمع إلى أفراد، يستدل كل منهم على طريقه في الحياة بمصالحه الفردية الأنانية، حتى وإن تعارضت مع الجماعة. وتكون مصادرة السياسة عملية دائمة، وليس مجرد حالة إنتقالية، تسهم في تشويه الطابع الجماعي للمجتمع، وتضع الأفراد تحت سيطرة الدولة، وتخلق جماعات للمصالح، تكف عن العمل لمصلحة المجتمع، وإنما لمصالح أعضائها، الذين يمرون هم أنفسهم بعملية انتقاء تقوم على معايير النفاق والولاء والطاعة.

من الأمثلة الحية للمجتمعات الناضجة، مجتمعات الدول الاسكندنافية حتى الآن بشكل عام، والديمقراطيات الغربية في عصر التنوير والتغيير، وفترات متقطعة من التاريخ منذ فترة ما بين الحربين العالميتين حتى الآن. لكن المجتمعات الناضجة، على الرغم من تاريخها القوى بقيمها وثقافتها ومؤسساتها لم تسلم من تعسف الدولة؛ فالدولة تحولت إلى جماعات ذات مصالح خاصة، وافترقت عن المجتمع بكل ما له من تراث وتاريخ، وهي تحاول الآن الإستبداد بالمجتمع مستخدمة أدواته التي خلقها تعبيرا عن قوته، وسبيلا للمحافظة على هذه القوة.

المجتمع الناضج الآن يتعرض لهجوم كاسح من الدولة التي تطورت من كونها جهازا للأمن والدفاع وتنفيذ القانون وإدارة العلاقات الخارجية، إلى مؤسسات للمصالح الخاصة، تعبر عن نفسها، وليس عن المجتمع. هذا ما يفسر سقوط كثير من النخب السياسية في العالم، وتردي الثقة في السياسيين، وانصراف أغلبية الناس عن التنظيمات النخبوية مثل الأحزاب، وظهور النزعة الشعبوية اليمينية، المعادية لمؤسسات الدولة وللنخب التقليدية. ليس ذلك فقط، بل إن الأمر وصل إلى حد أن بعض المفكرين يضع علامات استفهام على مدى صلاحية النظم المعمول بها حتى فيما يسمى ب (الديمقراطيات الغربية) ، كما وصل إلى حد ان أحد أقطاب حزب المحافظين في بريطانيا وهو Chris Patten كتب مؤخرا يتساءل عما اذا كانت بريطانيا تحولت إلى دولة فاشلة!

المجتمع المقهور ما يزال حلمه الأبدي هو التمرغ في خير الدوله، بينما هو صانع هذا الخير، وطلب الحماية منها، بينما هي التي تلجأ إليه ليحميها في أوقات محنتها، وتقديم فرائض الولاء لها صباحا ومساء، بينما وجودها يدين له بالفضل. المجتمع المقهور الذي تعرض لمصادرة السياسة موجود بصورة صارخة في دول الخليج النفطية؛ فهي ما تزال تمثل النموذج الصارخ للدولة المرضعة او الدولة الناني التي تتكفل بالافراد من المولد إلى الممات. للدولة على الأفراد حق الطاعة والولاء. وهي في مقابل ذلك تتولى أمور طعامهم وكسائهم ومسكنهم وإعانتهم هم واولادهم من بعدهم. ليس للسياسة مكان في الديكتاتوريات الثرية، ولا في الديكتاتوريات الفقيرة، لأنها جميعا نظم مغلقة جامدة، تقوم على مصادرة السياسة. في مصر تنضح علينا سمات المجتمع المقهور آتية من الخليج النفطي، لتجد لها جذورا قوية في مصر القريبة من الستالينية الروسية منذ خمسينات القرن الماضي.

المجتمع المقهور يجد حياته فيما نسميه (الدعم الذي تقدمه الدولة). هذا الدعم لا يتمثل فقط في الفتات الذي يحصل عليه الفقراء، وإنما هو أساسا يوجد في الولائم الفخمة العامرة التي تقام لأفراد او جماعات مصالح خاصة مثل نخب التجار وأصحاب الصناعات وقيادات الإدارة. هذه الموائد التي تدعي إليها النخب الخاصة، هي ثمن النفاق والولاء والطاعة. خذ مثلا في مصر (دعم الصادرات) الحكومة في العام الحالي قررت مضاعفه، بينما هي تلغي دعم المزارعين تدريجيا. المصدرون وعلى رأسهم مصدرو الاقمشة والملابس الجاهزة والحاصلات الزراعية، يحصلون على تفضيلات تجارية من الطرفين، دولة المنشأ ودولة سوق الصادرات. بينما المنتجون في دولة المنشأ يخضعون لكل مظاهر وإجراءات الإعتصار والإبتزاز. جماعات المصالح الخاصة ترتع في خير الدولة المنهوب من المجتمع في مجالات كثيرة منها تخصيص الأراضي، وعقود التوريدات وامتيازات التوكيلات وغيرها.

خذ أمثلة أخرى كثيرة يتم فيها تقديم مصالح الجماعات الاقل قدرة في المجتمع ضحية على مذبح الهدايا والفرص التي يتم تقديمها لجماعات المصالح الخاصة. على سبيل المثال فقد تحول المريض إلى فرصة استثمارية لاصحاب المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة، وتحول التلميذ إلى فرصة استثمارية لاصحاب المدارس ومراكز الدروس الخاصة. ببساطة تتحول أزمات المجتمع، إلى فرص استثمارية لجماعات المصالح الخاصة المحلية والأجنبية. الأمر في ذلك لا يقتصر على الدول النامية، وإنما يمتد إلى غيرها، حتى في الدول المتقدمة. حاليا، على سبيل المثال، تسود حالة من القلق العميق في بريطانيا خشية ان يكون قطاع الرعاية الصحية جزءا من صفقة تجارية مع الولايات المتحدة. بريطانيا التي قدمت للعالم نظاما مثاليا للرعاية الصحية للمواطنين NHS قد تفقد هذا النظام مع تهديد جماعات المصالح الخاصة لمصالح المجتمع المستقرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

المجتمع الناضج لا يعترف بالولائم ونفوذ النخب الخاصة.

وقد استطاع المجتمع الناضج في مصر، منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى بداية خمسينات القرن الماضي، أن يحقق طفرة هائلة. وتمثلت هذه الطفرة في إنشاء تنظيمات طوعية بواسطة الأفراد والجماعات ، بدءا من الجامعة المصرية، وحتى الأحزاب السياسية والنقابات والبنوك واتحاد الصناعات وجمعيات النهوض بالخدمات الاجتماعية. إن كل ما تحقق، وأهم ما تحقق خلال تلك الفترة كان تعبيرا عن مجتمع ناضج، يستكمل مقومات نضوجه باستحضار السياسة إلى واجهة العلاقة بينه وبين الدولة، ويسعى لتكريس وتطوير هذه المقومات بالتعليم والتصنيع، وصولا إلى رفاهية لا فضل فيها للدولة عليه، فكان تأسيس الأحزاب السياسية وإنشاء المعامل والمدارس والمصانع والمتاجر الكبرى سابقا على دور الدولة في هذه المجالات.

الدولة في العالم كله، بما في ذلك الصين الشيوعية، تنسحب من الكثير من أنشطة الإنتاج والخدمات التقليدية، التي كانت تقوم بها منذ زمن. الصين الشيوعية أصبحت من أكثر بلدان العالم إنتاجا لأغني الاغنياء وأصحاب المليارات. الشركات الصينية العملاقة ذات النشاط العالمي في كثير من المجالات مثل الاتصالات والسينما والأزياء والكمبيوتر هي شركات خاصة، قد تكون الدولة شريكة فيها او لا تكون. التعليم الجامعي في بلدان كثيرة أصبح مسؤولية اجتماعية وليس مسؤولية الدولة. هذا لا يعني أن تتحول الجامعات إلى اسطبلات او معامل حقيرة تهدف لتحقيق الربح لأصحابها، فذلك يحدث في ظل وجود المجتمع المقهور، الذي ما يزال يرى خلاصه وحلول أزماته في استدعاء الدولة، واستحضارها لتدير كل شيئ، بينما هي أصل البلاء في الكثير من الاشياء.

وظائف الدولة تذبل الواحدة بعد الأخرى. الدولة كانت في يوم من الأيام صاحب الحق الحصري في امتلاك القوة المسلحة، هذا الحق سقط فعليا بعد أن استطاعت منظمات غير حكومية إمتلاك السلاح واستخدامه، حتى ضد الدولة في انحاء مختلفة من العالم. تنظيمات مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي IRA، والقاعدة وداعش وحزب الله (لبنان وسورية والعراق) وأنصار الله (اليمن) وحماس، والجهاد الإسلامي (فلسطين) وبوكو حرام (نيجيريا) وغيرها من التنظيمات المسلحة في كل انحاء العالم، تفرض تحديا خطيرا، أسقط عمليا فكرة ان الدولة هي وحدها التي تقدر على امتلاك القوة المسلحة وممارستها.

الدولة، كانت ايضا في يوم من الايام، هي التي تقرر سياساتها التجارية كيفما تشاء، وفقا لمقتضيات السيادة وحقوقها ، هذه المقتضيات تقلصت كثيرا وانكمشت، بفعل تأثير عاملين أساسيين؛ هما أولا، قوة الاتفاقيات الدولية المتعددة الأطراف؛ وثانيا، ترتيبات سلاسل القيمة العالمية global value chains التي تضعها الشركات الدولية النشاط، التي لا تتقيد بحدود الوحدات السياسية أو الدول. حرية الدولة في ممارسة سياسات تجارية تذبل الآن بالتدريج لتحل محلها قواعد نظام عالمي متعدد الأطراف.

وسوف نرى في المستقبل القريب مظهرا جديدا لذبول دور الدولة في العصر الذي نعيش فيه. الدور التقليدي السيادي للدولة في مجال إصدار العملة، يتعرض الآن لاختبار شديد القوة، مع ظهور عملات قابلة للتداول مثل بيتك ين اصدرتها شركات أو مؤسسات لا علاقة لها بالبنوك المركزية. التحدي الكبير سنشهده في العام المقبل عندما تصدر عملة (ليبرا) بواسطة الفيسبوك وأكثر من عشرين من مؤسسات تسوية المدفوعات والخدمات المالية الدولية مثل فيزا و ماستر كارد وباي بال، وشركات أخرى للخدمات الرقمية مثل أوبر للنقل وسبوتيفاي للموسيقى وغيرها. (الليبرا) يمكن أن تتحول خلال سنوات قليلة، بعد إصدارها، إلى عملة تسوية المدفوعات رقم واحد في العالم، متقدمة على الدولار؛ فتفرض حالة من الشلل على دور البنوك المركزية في العالم التي قد تصبح irrelevant لا صلة لها او ذات صلة ضعيفة بالنظام النقدي العالمي، بينما هي الآن، وعلى راسها مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، صاحبة الحق الحصري في إصدار العملات، وتحديد قواعد إدارة التبادل فيما بينها.

المجتمع الناضج لن يحتاج الدولة، الا في أضيق الحدود، وسيتحقق ذلك، على الارجح ، عبر ترتيبات عالمية متعددة الأطراف. لذلك فإن تجار الحروب يتاجرون الآن بالشعارات القومية، في محاولة اخيرة يائسة لاستدعاء الدولة وتعزيز دورها على حساب المجتمع. المجتمع الناضج لن يكون في حاجة لأن يدفع للدولة مقابل خدمات، أو مقابل إنتاج، وهذا يعني ذبول اسباب الجباية، وإعادة النظر في فلسفة الضرائب. ولذلك فإن الدولة حاليا في انحاء كثيرة من العالم تبدو كالذئب الجريح الذي يشعر بقرب موته، فيحاول إصابة من يقف في طريقه، بشي انواع الضرر. الدولة ستحاول تخويف المجتمع، عبر الحروب، وعبر التضخيم من التهديدات، بشتى انواعها، وذلك بغرض إبقاء المجتمع أسيرا مقهورا، إرضاء لشهوات تجار الحروب وجماعات المصالح الخاصة. لكن الدولة إلى ذبول بينما المجتمع إلى نضوج.


د.ابراهيم نوار

باحث متخصص في العلاقات الاقتصادية والنزاعات الدولية 

اقرا ايضا