مقالات

د.ابراهيم نوار يكتب:سوق الغاز وتدهور الأسعار.. وأحلام الثراء

أحلام مصر بالثراء من تصدير الغاز المسال، وأن تصبح مركزا إقليميا لتجارة الطاقة، تصطدم بكابوس السوق المضطربة. منذ بداية العام الحالي إنخفضت أسعار الغاز المسال إلى نصف ما كانت عليه. هذا يجعل الأسعار في سوق البضاعة الحاضرة spot market أقل من تكاليف الإنتاج.

ومع أن سوق شرق آسيا ( خصوصا اليابان وكوريا) ما تزال هي أفضل الأسواق، فإن أعلى سعر تعاقدت به اليابان في يوليو بلغ 5.86 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، مقابل 9.5 دولار في تعاقدات شهر يناير الماضي. هذا السعر في الواقع يزيد عن متوسط الأسعار في أسواق جنوب شرق آسيا، التي تدور حول 4.5 دولار للمليون وحدة حرارية.

أسعار الغاز المسال في أوروبا تقل عنها في آسيا. ففي الشهر الماضي أيضا سجلت أسعار الغاز المسال حوالي 3.75 دولار للمليون وحدة حرارية. وحصلت أسبانيا مؤخرا على شحنات بسعر 3.35 دولار للمليون وحدة حرارية. في الولايات المتحدة وكندا تقل أسعار الغاز عن ذلك لوفرته، وزيادة طاقات الإنتاج بمعدلات ضخمة خلال العامين الأخيرين.

أسعار الغاز الطبيعي والغاز المسال تواصل الانخفاض منذ ثلاث سنوات، وليس من المتوقع أن تسترد عافيتها بسرعة. السبب في ذلك يعود إلى الإضطراب السياسي في العالم، وإلي الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، التي نتج عنها تراجع الطلب على الطاقة.

كذلك فإن الاستثمارات الضخمة التي نفذتها قطر والولايات المتحدة والمملكة السعودية والصين في محطات الغاز المسال، أدت إلى زيادات كبيرة في طاقة إنتاج الغاز المسال حول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين والهند. ويزيد من الضغوط على الأسعار في أوروبا تدفق الغاز الطبيعي الروسي بأسعار تقترب من نصف أسعار الغاز المسال.

تراجع أسعار الغاز يضع الإستثمارات في حقول الغاز ذات التكاليف الاستثمارية العالية في مأزق، بسبب أن تكلفة إنتاج الغاز المسال (عمليات الكشف والتنقيب والاستخراج والنقل من الحقول إلى محطات التسييل، وعملية تحويل الغاز إلى سائل بالتبريد الفائق القوة، والاحتفاظ بالغاز المسال في خزانات حتى يتم تحميله على ناقلات مجهزة لذلك، إضافة إلى نفقات الإدارة ) تزيد عن أسعار السوق. ومن المعروف ان تكلفة الاستثمارات تزيد كثيرا كلما زاد عمق مخزون الغاز في طبقات الأرض، سواء في الحقول البرية، أو في حقول المياه العميقة في البحار مثل حقل ظهر الذي بلغت استثماراته حوالي 10.5 مليار دولار حسب تقديرات شركة إيني صاحبة الإمتياز.

ونظرا لحساسية استثمارات الطاقة التقليدية لتغيرات السوق، فإن الشركات الدولية تعتمد على عقود طويلة الأجل لتصريف إنتاجها. وهي تستثمر فقط في هذه الحدود، مع ترك هامش محدود لعمليات سوق البضاعة الحاضرة. ويسري ذلك على الغاز المسال كما يسري على غيره من المنتجات، نظرا لضخامة الاستثمارات المطلوبة.

في الوقت الحالي تستحوذ سوق البضاعة الحاضرة للغاز المسال على نسبة تبلغ نحو 25% من الطلب العالمي الإجمالي، بينما يتم تغطية 75% من الطلب بواسطة العقود طويلة الاجل، مثل العقد الذي وقعته شركات إسرائيلية لتصدير الغاز المسال مع شركة مصرية خاصة، أو العقود الموقعة بين شركات مثل إيني وشل وبريتش بتروليوم مع الشركات المصرية.

وقد اضطرت الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) إلى إلغاء مزاد لبيع 3 شحنات من الغاز المسال تسليم شهر سبتمبر المقبل بسبب تدني الأسعار المقدمة من المشترين. الشركة بقرارها هذا تحاول تجنب الخسارة الناشئة عن تدني الأسعار. لكن القرار الذي يسري على المزايدة لا يوفر للشركة حلا نهائيا لمشكلة قد تستمر حتى نهاية العام الحالي، بل إنها قد تتفاقم.

تجارب العالم، والدروس التي تعلمتها الدول المنتجة للنفط والغاز، تفيد بخطورة الاعتماد عليهما كمصدر رئيسي للدخل والثروة. ولذلك فإن هذه الدول، رفعت شعار تنويع مصادر الدخل والتحول إلى الاقتصاد الصناعي والزراعي منذ ثمانينات القرن الماضي.

وتؤكد الصدمات السعرية المتكررة في أسواق الطاقة التقليدية، أن حلم تحقيق الثروة إعتمادا علي موارد ناضبة، تتعرض أسعارها لتقلبات حادة، هو حلم كاذب، بل إنه كابوس ثقيل جدا يثير الفزع. 


د.ابراهيم نوار

باحث متخصص في العلاقات الاقتصادية والنزاعات الدولية 

اقرا ايضا