مقالات

عبد العظيم حماد يكتب:فجوات في رواية السد الأثيوبي

لم أقصد التجربة، ولم أتوقع النتيجة. ولكنها ونتائجها كانت السبب في كتابة هذا المقال على النسق الذي رأيت أنه الأنسب له.

كان ذلك عندما كتبتُ بوست على صفحتي على موقع فيسبوك بعنوان: معلومات غائبة في قصة السد الإثيوبي. وفي ظرف يومين بلغت المشاركات والتعليقات والتفاعلات ما لا يقل عن عشرة أضعاف متوسط ما تلقيته من تفاعلات مع أي بوست سبق لي كتابته، بما في ذلك البوستات التي تناولت قضايا أشد سخونة -من الناحية الإخبارية- من قضية النيل ومشروع سد النهضة الإثيوبي.

من المسلم به أن يكون تفسير هذا الاهتمام الفائق هو الإدراك البديهي للأهمية المتفردة للنيل في حياة المصريين، والقلق البديهي -أيضًا- من أي أخطار تهدد كل مواطن وكل شبر من أرض الوادي والدلتا وامتدادتهما، في حالة وقف تدفق النهر، أو انخفاض منسوب المياه فيه بمعدلات عالية. ولكن بدا لي أن هناك سبب ثانٍ -لايقل أهمية- وهو إطلاع قراء البوست على معلومات جديدة وخطيرة في قصة السد الإثيوبي، وذلك برغم أن الكثير منها سبق نشره في مصادر علنية، مع تحفظ واجب هو أن تلك المصادر العلنية ليست، كما يفترض أن يكون، وسائل الإعلام الجماهيري من صحف ومجلات عامة، أو محطات تليفزيونية. ولا هي وسائل الاتصال السياسي الجماهيرية كالمناقشات البرلمانية، أو المؤتمرات الحزبية وغيرها، ولكنها مجلات متخصصة أو شبه متخصصة، وندوات ومؤتمرات بحثية مفتوحة صدرت عنها مجلدات توثيقية بكل الدراسات والمناقشات.

استطرادًا مع هذا التحفظ، لا ننفي تهمة التقصير أو القصور عن وسائل الإعلام الجماهيرية، ومؤسسات الاتصال السياسي الجماهيرية، ولكن يُضاف إليها عدم اهتمام الجهات الرسمية المعنية بإحاطة الرأي العام علمًا بالحقائق والتطورات أولًا بأول، ومناقشتها المرة بعد المرة، بل وتعمد هذه الجهات التكتم والسرية. كما حدث مثلًا في حالة الإقالة المفاجئة، أو الطرد، لوزير الري الأسبق الدكتور محمود أبوزيد مثلًا عام 2009 من الحكومة، بعد أن قاد هو بنفسه تحوّلًا انقلابيًا في سياسة مصر النيلية، كما سنرى بعد عدة فقرات في هذا المقال. ولكن لنبدأ تحديد الفجوات في القصة المتداولة لسد النهضة الإثيوبي على النيل الأزرق منذ تجسدت كمشروع قابل للتنفيذ في العقد الأخير من القرن الماضي، مع العودة إلى خلفيات أبعد زمنًا من هذه الحقبة كلما دعت الضرورة:

1- التدويل

بمناسبة النزاع الدبلوماسي بين سوريا والعراق من طرف، وبين تركيا من الطرف الآخر، حول مشروع سد أتاتورك في أعالي نهر الفرات، وهو النزاع الذي سرعان ما انتهى، جرى دفع قضية أو أزمة المياه في الشرق الأوسط إلى صدارة جدول أعمال العالم سياسيًا و دبلوماسيًا وإعلاميًا.

أمسك بزمام المبادرة كل من جامعة هارفارد الأمريكية، ومركز واشنطن للدراسات الاستراتيجية برئاسة جويس ستار، الاسم الأهم في هذه القضية، وصحيفة «هيرالد تريبيون» التي نجحت بمساعدة حكومية أمريكية في عقد مؤتمر مياه العالم في إسطنبول في عام 1997، أي في حقبة تميزت بتراجع سياسة حسن الجوار التركي مع الدول العربية بعد وفاة الرئيس الأسبق تورجوت أوزال.

و قبل هؤلاء، كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية نشرت عام 1993 تقريرًا حددت فيه عشر مناطق في العالم ستشهد صراعات ومواجهات حول المياه، ومعظمها في الشرق الأوسط. وحدد هذا التقرير ثلاث مستويات للخطورة، فالبلاد المرشحة للحرب هي إسرائيل وفلسطين والأردن، ثم المناطق المحفوفة بالخطر الوشيك، وهي حوض دجلة والفرات، وتنتهي بالبلاد المرشحة للتوتر المائي خلال عشرين أو خمسة وعشرين عامًا، وهي مصر والسودان وإثيوبيا.

 وكان البنك وصندوق النقد الدوليين قد شاركا بنشاط ملحوظ في مؤتمر هيرالد تريبيون في إسطنبول، وكذلك هيئات المعونة الأمريكية والكندية والأوروبية. وكانت أهم نتائج ذلك المؤتمر هي إقرار نموذج السوق الدولية للمياه، والتوصية بتعبئة الموارد لتمويل مشروعات المستقبل.

2- الاستدراج

توجت هذه الحملة بالمؤتمر العالمي للمياه في مدينة لاهاى الهولندية في مارس 2000، الذي أقرّ مبدأ اعتبار المياه سلعة اقتصادية، تخضع للبيع والشراء والتسعير. وشارك في مؤتمر لاهاى وزراء الري والموارد المائية في أغلب دول العالم ،وما لا يقل عن ثلاثة آلاف خبير يمثلون حكومات وهيئات وشركات. كان أهم بند على جدول الأعمال هو تقرير اللجنة العالمية للمياه المشكلة من عشرين خبير برئاسة الدكتور إسماعيل سراج الدين (المصري الجنسية) نائب رئيس البنك الدولي، وقد حمل التقرير عنوان «من الندرة إلى  الأمان».

وكما يقول المرحوم الدكتور رشدي سعيد في مقال شهير له في عدد ديسمبر عام 2000 من مجلة «وجهات نظر»: «أبرز تقرير لجنة إسماعيل سراج الدين بشكل درامي الأزمة التي تعاني منها الكثير من دول العالم في الوقت الحاضر، من نقص من إمدادات المياه العذبة، وهوّل من حجمها، وحاول أن يثبت أنها ستُطال الجميع إن لم يكن اليوم فغدًا. واقترح التقرير حلًا لهذه الأزمة النظر إلى المياه كسلعة يجري تنظيم استخدامها بواسطة القطاع الخاص، الأكثر كفاءة من القطاعين الحكومي والعام، على أن تخضع للتسعير لترشيد استخدامها».

وعلى الرغم من أن هذا التقرير أثار سيولًا من الاعتراضات والتحفظات من جانب خبراء وهيئات ومنظمات غير حكومية، فقد وافق ممثلو الحكومات عليه. وكما يسجل الدكتور سعيد: «كانت مصر التي مثّلها وفد كبير برئاسة الدكتور محمود أبو زيد وزير الري والموارد المائية من أكثر الدول حماسًا وتأييدًا، وكان وزيرها أحد أهم من شاركوا في إعداده وفي تنظيم المؤتمر، وفي رئاسة جلساته، وذلك على الرغم من تناقضه الواضح مع مافتئت مصر تردده طوال تاريخها من أنها ضد تسعير الماء بأي شكل من الأشكال، وأنها ضد تحكير توزيع المياه لشركات القطاع الخاص». كان هذا أول تحوّل كبير يقوده أبو زيد في سياسة مصر النيلية.

3- تغيير القوانين

في غضون تلك الحقبة، كان يجري تغيير بعض المبادئ الراسخة في القانون الدولي للأنهار التي تمرّ بأراضي دولتين أو أكثر، أو ما يسمى بأحواض التصريف الدولية. فقد وضعت الأمم المتحدة مشروع اتفاقية أو معاهدة متعددة الأطراف لقانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية، وهي اتفاقية إطارية وقعت بالأحرف الأولى عام 1997، وتقرر سريانها بتصديق 35 دولة عضوًا، أي بتصديق أقل بكثير من نصف عدد أعضاء المنظمة الدولية، في أول سابقة من نوعها تقريبًا.

ومما يهم مصر في هذه الاتفاقية، أو ما يمثل تهديدًا لمصالحها، هو إدخالها مبدأ الاستخدام المنصف أو العادل لمياه النهر الدولي، وذلك في مواجهة مبدأ الحق التاريخي المكتسب، بما أن مصر هي المنتفع بأكبر كمية من مياه النيل، وبما لا يقارن من قريب أو بعيد بنصيب بقية دول الحوض، خصوصًا إثيوبيا التي لا تستخدم سوى 1% من كمية الأمطار المتجهة إلى روافد النيل من هضبتها، في حين يزيد نصيب مصر عادة على 85% من هذه الكميات.

ولكن ما أغفلته الاتفاقية، وما يجعل هذا الوضع مجحفًا بإثيوبيا من الناحية النظرية، لا من الناحية الفعلية، هو عدم النظر إلى  حوض التصريف الدولي كوحدة واحدة وفقًا للمبدأ القانوني المستقر قبل أن تهمله هذه الاتفاقية، وذلك أن مجمل ما يسقط على إثيوبيا من أمطار ويشق طريقه في مجاري أخرى بخلاف روافد النيل المتجهة إلى  مصر، أو ما يروي زراعتها مباشرة، هو أكثر بكثير مما يصل إلى السودان ومصر معًا من هذه المياه.

ومن اللافت أن إثيوبيا ومعظم دول حوض النيل امتنعت عن التصويت عليها، أو تحفظت على بعض بنودها. ولكن امتناع إثيوبيا يرجع إلى تحفظها على مبدأ عدم الإضرار الجسيم ببقية دول الحوض عند إعمال مبدأ الاستخدام المنصف أو العادل لمياه المجرى الدولي. كما يرجع التحفظ الإثيوبي في جانب منه إلى رفضها -أسوة بتركيا- انطباق توصيف «النهر الدولي» على النيل الأزرق وعلى نهر عطبرة، واستبدال هذا المصطلح القانوني المستقر بمصطلح جديد هو النهر العابر للحدود، بما يعني أنه خاضع لسيادتها المطلقة من منبعه حتى خروجه من حدودها.

ومما يؤثر أيضًا على موقف مصر أبلغ الأثر من بنود هذه الاتفاقية، هو ما نصت عليه المادة الثالثة منها من إلغاء الاتفاقيات الثنائية أو الجماعية السابقة عليها، وحث الدول الأطراف في مثل تلك الاتفاقيات القديمة على أن تبحث -على أساس اختياري- مواءمتها مع القواعد الجديدة. كانت هذه المادة هي الأساس القانوني لرفض إثيوبيا وبقية دول الحوض للاعتراف بالاتفاقيات القائمة، جنبًا إلى جنب مع الأساس السياسي المتمثل في أن هذه الاتفاقيات إرث استعماري يجب التخلص منه.

بالطبع امتنعت مصر بدورها عن التصويت على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية. وذلك للأسباب الواضحة في السطور السابقة، والتي نلخصها هنا بعبارات أكثر تحديدًا، وهي التمسك بالإطار القانوني القائم الذي يحكم مياه النيل، وبالعرف الدولي الإقليمي الذي تكون عبر مئات إن لم يكن ألوف السنين، ولكون الاتفاقية الإطارية الجديدة أعلت مبدأ التقاسم العادل للمياه على مبدأ التسبب في الضرر للدول الأخرى.

لكن هذا الموقف الدبلوماسي والقانوني لم يُستثمر، فلم يكتف المسؤولون المصريون عن ملف النيل فقط باستدراجهم إلى فخاخ التدويل والتسعير، ولكنهم استدرجوا أيضًا لمبادرات واتفاقيات ومحافل إقليمية في دول الحوض تخضع حقوقها للأخذ والرد، كمبادرة دول حوض النيل واتفاقية عنتيبي.

4- الخطط الإسرائيلية:

لم تكن إسرائيل يومًا بعيدة عن كل التطورات في قضية المياه في الشرق الأوسط، وقضية مياه النيل والعلاقات المصرية الإثيوبية على وجه الخصوص. فقد شارك خبراؤها في دراسة مشروعات السدود، في إثيوبيا منذ ستينيات القرن الماضي، مدفوعين أولًا بإثارة المتاعب لمصر الناصرية. غير أنه مع تضاعف عدد سكان إسرائيل اليهود عدة مرات، وتوسعها الزراعي والصناعي أصبح تأمين زيادة مطردة في مواردها المائية حاجة ملحة، فالبلد الذي يخزن قطرات المياه المتساقطة من أجهزة تكييف الهواء، والبلد الذي رشحه تقرير المخابرات المركزية الأمريكية لعام 1993 للدخول في حرب من أجل المياه، ما كان ليترك نهر النيل خارج مخططاته الاستراتيجية، خاصة بعد قيام علاقات سلمية بينه وبين مصر.

يقول البروفسور جدعون فيشزون في تقديمه لكتابه «الماء والسلام… وجهة نظر إسرائيلية» إن خريطة المياه في الشرق الأوسط حافلة بالمصادفات الجغرافية، وهذه الظاهرة تقوض مفهوم الملكية وشرعية الاستخدام المحلي للمياه، وتفرض الحاجة إلى اتفاق ومشروعات لنقل المياه إلى المناطق التي لم تشأ المصادفات أن تمنحها إياها.

ويضيف أليشع كالي، أحد أبرز المتخصصين في قضية النيل في إسرائيل، أن مصر تبدد عشرة مليارات من الأمتار المكعبة من مياه النيل في البحر المتوسط، وسوف تكسب إذا باعتها إلى إسرائيل المستعدة لشرائها فورًا، لأن المزارع الإسرائيلي يستطيع أن ينتج بالكمية نفسها من المياه تسعة أضعاف ما ينتجه المزارع المصري بها من القطن.

وقد ثبت الآن -وأنا أنقل من مقال قديم لي في العدد 17 من مجلة «وجهات نظر» (يونيو عام 2000)- أن العرض الذي قدّمه الرئيس أنور السادات بتوصيل مياه النيل إلى إسرائيل في سياق عملية كامب ديفيد لم يأتِ من فراغ كمبادرة منه لتسهيل عملية السلام، كما ادعى هو ذلك، ولكنه كان إعلانًا لخطة عرضها عليه الخبير الإسرائيلى شاؤول أولوزروف عام 1979. وكان أولوزوروف يشغل وقتها منصب نائب مدير هيئة المياه الإسرائيلية، التي لا تقل أهميتها لإسرائيل عن جيش الدفاع والتي أسسها في عشرينيات القرن الماضي ليفي أشكول، الذي صار فيما بعد رئيس وزراء إسرائيل بعد بن جوريون.

وأخيرًا فقد حزمت الحكومة الإسرائيلية الأمر بنفسها، وكلفت خبراءها عام 1996 بوضع خطة متكاملة فنيًا واقتصاديًا وسياسيًا للبدء في نقل 1% من مياه النيل سنويًا إليها.

إذن فكل ما تبقى هو التنفيذ. وبما أن سد النهضة الإثيوبي قد شرع في بنائه، وبما أنه سيحول بحيرته إلى  البنك المائي المأمول، وبما أن إسرائيل أحد أهم الأطراف الإقليمية والدولية تعاونًا مع إثيوبيا في المشروع منذ الخطة الأولى، فسوف تطلب وتحصل على نسبة أعلى كثيرًا من نسبة الـ 1% المقترحة قديمًا، وتبقى فقط مسألة طريقة النقل بحرًا بالأنابيب، أم عبر شبه جزيرة  سيناء؟

5- سوء التقدير.. سوء الإدارة:

نصل هنا لما يتعلق بالجانب المصري، فقد كان ملف النيل موزعًا ما بين وزارة الري ووزارة الخارجية والمخابرات العامة، طيلة الفترة التي نتحدث عنها. وقد حدث أن أُبعدت الخارجية عنه أحيانًا، واقتصر التعامل مع دول الحوض فيه على الأُسس الفنية البحتة. في حين كان الواجب منذ أول لحظة إدارته من خلال هيئة سياسية أمنية تمثل فيها كل الجهات المعنية برئاسة رئيس الجمهورية نفسه.

وفي الحقبة التي تولت وزارة الري بقيادة الدكتور محمود أبو زيد، تعرضت إدارة الملف لسلسلة من التحولات الانقلابية في سياسة مصر النيلية -أشرنا إلى أحدها فيما سبق من سطور- وكان التحوّل الانقلابي الثاني هو تأسيس مبادرة حوض النيل بين دول الأعضاء بنصيحة من المؤسسات والأطراف الدولية المذكورة أعلاه بمشاركة وحماس مصريين عام 1998، بذريعة تنمية الحوض لصالح الدولة، وتبني استراتيجية الاعتماد المتبادل، من خلال مشروعات تعالج النهر والحوض معًا كوحدة واحدة. ودون دخول في تفاصيل لا محصلة لها عمليًا حول صحة الفكرة نظريًا، حيث لم يتحقق من ذلك شيء، فإننا نعود إلى الاقتباس من الدكتور رشدى سعيد الذى يقول: «إن مجرد الدخول فيها يشكل تحوّلًا كاملًا في سياسة مصر المائية، إذ بموجب هذه المبادرة وافقت مصر لأول مرة في تاريخها على مبدأ إعادة توزيع مياه النيل بين دول الحوض».

 ولفت سعيد أنظارنا أيضًا إلى أن هذا التحوّل جاء دون مبرر مقبول إلا من إعلان «أبو زيد» في مؤتمر موسع أمام رئيس الجمهورية في فبراير عام 2000 ما سمّاه بسياسة مصر المائية، حيث أكد أولًا أن إجمالي الموارد المائية في دول الحوض من الوفرة بحيث يكفي احتياجات جميع دول الحوض، ويزيد عنها لعدة مئات من السنين، وأن وزارة الري المصرية بصدد تعظيم الاستفادة من مواردها المائية الأخرى غير النيلية، كالأمطار والمياه الجوفية. ولكن رغم مرور عشرين عامًا كاملة، فلا المشروعات التي تحدث عنها أبو زيد في دول الحوض وضع فيها حجر واحد، ولا تنمية موارد مصر غير النيلية قد تحققت، وكل ما تحقق هو سد النهضة الإثيوبي الذى سيضر بحصة مصر من مياه الفيضان ضررًا جسيمًا أو فوق الجسيم.

غير أن سوء تقدير وسوء إدارة المصريين لقضية السد الإثيوبى لا يقتصر فقط على وزارة الري، وإنما شاركت فيه جهات أخرى. فعلى سبيل المثال استقر الرأي في وزارة الخارجية حتى وقت قريب جدًا على عدم مقدرة إثيوبيا على بناء سدود ضخمة تسبب ضررًا ملموسًا لمصر، بسبب «وعورة الهضبة الوسطى، وشدة انحدار  سفوحها، وبسبب الضعف الشديد للاقتصاد الإثيوبى»، وكانت أكثر التقديرات تشاؤمًا لما يمكن أن تحجزه المشروعات الإثيوبية على النيل الأزرق وعطبرة من مياه عن مصر هو نسبة 6% سنويًا ولفترة محددة، وهو ما يمكن تعويضه دون خطر من بحيرة السد العالي.

من الواضح الآن أن هذا التقدير الذى يعد في الظروف الحالية «متفائلًا»، استند على معلومات مغلوطة روجتها إثيوبيا حول مشروع لتوليد الكهرباء ذي سعة تخزينية محدودة، كما كان الظن أولًا. وإن كانت الروايات الرسمية المصرية تقول إن هذا المشروع المحدود هو ما أبلغت به مصر رسميًا، ولكن الإثيوبين كانوا ينتوون الخديعة مقدمًا، وانتهزوا فرصة المؤتمر العشوائي العلني للرئيس الأسبق محمد مرسي، بما تضمن من كوارث وإساءات لبلادهم، وعدلوا مشروعهم إلى الحجم العملاق الذي ينفذ حاليًا. في نفس الوقت يقول آخرون إن اتفاق المبادئ الثلاثي المُبرم في 2015 في الخرطوم بين رؤساء مصر والسودان وإثيوبيا، نزع من مصر الحق القانوني في الاعتراض على ذلك التحوّل الجوهري في طبيعة وحجم المشروع الإثيوبي.

ولا جدال في أنه كان من سوء التقدير وسوء الإدارة البالغين، ما سمعته بأذني من المرحوم عمر سليمان في واشنطن في أغسطس عام 2009 ومعي الزميل عادل حمودة، في بهو الفندق الذي أقام فيه الوفد المصاحب للرئيس حسني مبارك في آخر زيارة له للعاصمة الأمريكية، فقد استبعد سليمان إمكانية بناء سد إثيوبي كبير على النيل الأزرق، لعدم توافر القدرات الفنية والاقتصادية لديهم، وضرب لنا مثلًا على ذلك بأن فيضان العام الماضي كان عاليًا، وأدت كميات الطمي الهائلة المصاحبة لها إلى إغلاق مخرج إحدى البحيرات التي تصرف في النيل الأزرق، مما أدى إلى  تهديد جميع جزر البحيرة بالغرق. وكان لإحدى هذه الجزر أهمية دينية استثنائية حيث بنيت عليها أول كنيسة في التاريخ الإثيوبي، وعندما لم يستطع الإثيوبيون لا فنيًا ولا اقتصاديًا حل المشكلة، فقد استغاثوا بنا (نحن المصريين) فأرسلنا المعدات وطهرنا المخرج، وجاءت المياه إلى النيل، ثم أردف الرجل ضاحكًا : «مانابنا إلا أن تكلفنا 12 مليون دولار لإنقاذ كنيستهم فكيف نصدق أن هؤلاء سيبنون سدًا كبيرًا على النيل الأزرق؟».

كان هذا هو التقدير السائد، ولم يطرأ على الملف جديد في مصر سوى كارثة مؤتمر مرسي، ثم اتفاق الخرطوم عام 2015 المختلف عليه، حتى فوجئنا بإعلان رسمي عن وصول المفاوضات مع إثيوبيا إلى  طريق مسدود، وطُلبت الوساطة الأمريكية، وفضّل بعض الخبراء روسيا أو إسرائيل للقيام بدور الوسيط.

كل ذلك ولم نتطرق إلى أزمة الثقة القديمة المتجددة في العلاقات المصرية الإثيوبية، منذ الخديو اسماعيل ومنليك الأول إمبراطور الحبشة، وحتى أنور السادات ومانجستو هايلى ماريام [أبرز القادة العسكريين بعد ثورة 1974]. وكذلك لم نتطرق إلى أحاديث الحرب والسلام في هذا النزاع، و سيكون لها حديث مستقل فيما بعد.

أ.عبد العظيم حماد
عضو مجلس الأمناء بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي

الرابط الأصلي للمقال:

https://mada21.appspot.com/madamasr.com/ar/2019/10/24/

اقرا ايضا