مقالات

د.ابراهيم نوار يكتب:محددات الأمن الإقليمي في شرق المتوسط

كشفت التطورات في الأسابيع القليلة الماضية الكثير عن طبيعة ومضمون الأمن الإقليمي لمنطقة شرق المتوسط، ومنأهم ما كشفته ويجب التأكيد عليه هو ترابط اعتبارات الأمن الإقليمي لدول تلك المنطقة وصعوبة الفصل بين صراعاتها المختلفة من حيث الموضوع أو من حيث النطاق الجغرافي.
: ويقودنا ذلك إلى سبعة استنتاجات كبيرة اسوقها على النحو التالي:
 الاستنتاج الأول :ان التطورات في سورية ولبنان تلقى بظلالها على التطورات في ليبيا  
 الاستنتاج الثاني :هو استحالة تقسيم الأمن الإقليمي لمنطقة شرق المتوسط بين الدول العربية والدول غيرالعربية 
 وهذايعني عمليا سقوط الاعتقاد بأن الدول العربية يمكن أن تقرر مصير الأمن الإقليمي لتلك المنطقة ككل.
 - الإستنتاج الثالث :هو تداخل اعتبارات دولية مع الإعتبارات المحلية والإقليمية التي تقرر صيغة الأمن الإقليمي  لمنطقة شرق المتوسط.  
الإستنتاج الرابع :هو أن دخول روسيا مباشرة على خط أنقرة - طرابلس يمنح حكومة طرابلس الغرب قوة جديدة عسكريا وديبلوماسيا واقتصاديا ، إذ انها بذلك أصبحت تضمن تأييد القوى العالمية الرئيسية (روسيا والإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة).  
 الإستنتاج الخامس: مع حقيقة ان حكومة غرب ليبيا ما تزال عاجزة عن فرض سلطاتها على كل أنحاء ليبيا، فإن القوى المنافسة لها في الشرق ما تزال تتمتع بمصادر قوة تستطيع بواسطتها المشاركة في رسم المستقبل السياسي في ليبيا. 
الإستنتاج السادس :هو أن دخول روسيا مباشرة على خط أنقرة - طرابلس يجعل من الاتفاق الأمني والإقتصاد بين تركيا وحكومة طرابلس الغرب قوة مُغَيّرة لقواعد لعبة الغاز في شرق المتوسط  وهو ما يتطلب من الأطراف الأخرى إعادة التموضع بما يساعدها على تحقيق أهدافها او مصالحها القومية، بما في ذلك مصر واليونان وقبرص وإسرائيل.  
 الإستنتاج السابع :هو أن ردود الفعل من الأطراف المشار إليها بشكل عام، ما تزال في نطاق ما يمكن أن نصفه ب "رد الفعل المتسرع" وليس "التفكير العقلاني المتهمل".
 وبناء على هذه الإستنتاجات السبعة أعتقد أن مصر ما تزال أمامها فرصة كبيرة لتثبيت مصالحها في ليبيا (أمن الحدود، وتصفية الإرهاب، والحد من النزعات العدائية)، وفي شرق البحر المتوسط (أمن التنقيب عن الغاز واستخراجه ونقله وتصديره، وأمن الكابلات البحرية للإتصالات، وأمن الصيد، والمرور البحري). وبعيدا عن التصريحات الإعلامية التي يتم إطلاقها للتعبئة السياسية و للإستهلاك المحلي، فإن إيداع تركيا لوثيقة الاتفاق مع الحكومة الليبية لدى الأمم المتحدة، إستدعي توجيه رسالة من وزارة الخارجية المصرية إلى الأمم المتحدة بشأن حيثيات الموقف المصري، معززة بالاسانيد والأدلة. لم يتسنى لي الإطلاع على الرسالة بعد، ولكني اعتقد ان الخلافات على صفحات الجرائد او القنوات الفضائية والحملات الاعلامية التي يشنها جهلة وحمقي أغبياء تجلب اضرارا وليس لها نفع من الناحية العملية. 
هذا بالنسبة للغاز وللجانب الإقتصادي. أما بالنسبة للجانب السياسي، فإني اعتقد بقوة أن منصة الخلافات الحالية في شرق البحر الأبيض المتوسط، تمنح الدول المطلة على البحر من تركيا واليونان وقبرص شمالا إلى سورية ولبنان وفلسطين شرقا إلى مصر وليبيا جنوبا، فرصة ثمينة للبدء في مشاورات تمهد لوضع نظام للتعاون الجماعي المتبادل، بدون استحواذ وبدون استثناء او استبعاد. وللتاكيد أقول إن اتخاذ نهج عدائي من جانب طرف من الأطراف ضد طرف او أطراف أخرى، هو مسار خاطئ تماما سوف يترك أثارا ضارة على الجميع. ولهذا فإن الذين يفكرون في الأمن القومي بعقلية "عروبية" معتقدين انه يمكن تحقيق الأمن في شرق المتوسط باتفاقات بين دول عربية ضد دول غير عربية، هم واهمون تماما، واثبتت الأيام انهم يجرون وراء سراب، وان ما يرددون هو أكاذيب في أكاذيب. أمن شرق البحر المتوسط تصنعه دول شرق المتوسط بدون محاور وبدون انقسامات. 
وتقديري ان التوافق الروسي - الأمريكي - الأوروبي في شرق المتوسط يوفر مظلة إيجابية لإمكان السير على طريق بناء إطار للتعاون والأمن المتبادل، مقبول ومتفق عليه بين كل الأطراف المشتركة في ثروات شرق البحر المتوسط، وأن المطلوب هو العمل على تقريب المواقف وليس زيادة حدة الاستقطاب بين المحاور القائمة حاليا. 
 كلمة اخيرة اقولها لدعاة الحرب والعداء والمقاطعة وغيرها من السلوكيات ذات الطابع العدواني او السلبي: فكروا مرتين او ربما ثلاث مرات، فإذا فعلتم ستعرفون أنكم مخطئين، وانكم لا تفعلون غير تكرار الأخطاء المؤدية إلى 
الفشل، من فشل إلا فشل، لأنكم لا تتعلمون.

د.ابراهيم نوار

باحث متخصص في العلاقات الاقتصادية والنزاعات الدولية 

اقرا ايضا