مقالات

ملاحظات حول المجتمع المدنى

الواضح أن الصدام بين الدولة والمجتمع المدنى والمنظمات الأهلية سوف يتصاعد، وذلك بعد الإعلان عن بدء التحقيق مع عدد من المنظمات والمؤسسات العاملة فى مجالات حقوق الإنسان ومناهضة التعذيب والدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحقوق المرأة وغيرها. واحتراما لقرار النيابة العامة بحظر النشر حول تلك التحقيقات فلن أتطرق فى هذا المقال إلى أى منها على وجه التحديد وأكتفى ببعض الملاحظات العامة حول موضوع المنظمات الأهلية وتمويلها ودورها فى المجتمع.

الملاحظة الأولى أنه على الرغم من أن التحقيقات الجارية قد أثارت ردود فعل عالمية واسعة، إذ سارعت المنظمات الدولية والسفارات الأجنبية إلى التنديد بالتحقيق مع تلك المنظمات ومن يديرونها ــ فإن علينا ألا نجعل هذا الاعتبار مؤثرا على تقييمنا لعمل المنظمات الأهلية أو المجتمع المدنى، ولا دافعا فى حد ذاته للتوجس والتحريض ضد المنظمات والجمعيات الأهلية. الأهم هو تناول الموضوع من منظور وطنى محض، لا يأخذ فى حسبانه سوى الصالح العام، بغض النظر عما إذا كان يحظى بدعم المجتمع الدولى أم لا.

الملاحظة الثانية أنه من هذا المنظور الوطنى فلا شك أن مصر بحاجة لمجتمع مدنى نشط وفعال، يساعد الدولة فى جهودها لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويوفر مئات الآلاف من فرص العمل والدخول الإضافية للأسر الأكثر فقرا، ويرفع من مستويات المعيشة فى المناطق المحرومة من الخدمات العامة. على نحو ما تقوم به المنظمات والجمعيات التى تعمل فى مجال التنمية المجتمعية والتى تمثل الغالبية الساحقة من مؤسسات المجتمع المدنى. أما المنظمات التى تعمل فى المجال الحقوقى ــ حقوق الإنسان والمرأة والمعاقين والمحبوسين وغيرهم ــ فيحتاجها البلد أيضا لأنها تساعد على تحقيق الرقابة الشعبية على عمل السلطة التنفيذية، وعلى حماية الحقوق القانونية والدستورية للمواطنين، والتعبير عن مطالب الفئات الأكثر احتياجا وضعفا فى المجتمع.

وأما الملاحظة الثالثة فهى أنه مهما كانت التجاوزات القانونية والإجرائية المنسوبة إلى بعض منظمات المجتمع المدنى فإن هناك مسئولية أيضا على عاتق الدولة مادامت مستمرة فى إصرارها على التمسك بنظام قانونى عقيم لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية، يقيد نشاطها، ويفتح أبواب الفساد فى تأسيسها والرقابة عليها، ويدفع الراغبين فى مزاولة العمل الأهلى بشكل سليم إلى البحث عن أشكال وحلول قانونية بديلة. وأنا لا أشير هنا إلى حالة معينة أو منظمة بعينها التزاما ــ كما سبق القول ــ بحظر النشر عن التحقيقات الجارية، بل أتحدث عن الإطار القانونى المنظم للنشاط الأهلى بشكل عام. أكثر من ثلاثين عاما مضت ونحن نتحدث عن ضرورة تعديل قانون الجمعيات والمنظمات الأهلية، وعشرات المسودات لقوانين جيدة جرى تقديمها فى كل العهود، ومئات ورش العمل والمؤتمرات والندوات لمناقشة البدائل المختلفة المتاحة، واجتماعات مع كل وزراء التضامن الاجتماعى ومن قبلهم وزراء الشئون الاجتماعية لم تسفر عن أى تقدم. لا نزال نعيش فى ظل قانون لا يهدف حقيقة إلى تشجيع العمل الأهلى ومساندته وتنظيمه بشكل متوازن، بل يهدف إلى التقييد والرقابة وإغراق المنظمات الأهلية فى بحر من المستندات والدفاتر والبيروقراطية حتى يصيبها اليأس والاحباط وتترك الساحة، أو تتجه إلى أشكال قانونية أخرى خارج الإطار الرسمى والطبيعى للعمل الأهلى.


والحل؟
لا يوجد حل للخروج من هذا الوضع سوى إصدار قانون جديد ينظم النشاط الأهلى تنظيما متوازنا، يدعم ويساند المجتمع المدنى من جهة ويحافظ على مقتضيات الأمن القومى وحق الدولة فى الرقابة من جهة أخرى. المطلوب هو قانون يسمح بتأسيس الجمعيات الأهلية بسهولة، ويخفف عنها الإجراءات البيروقراطية العقيمة، ويحميها من تدخل وفساد الموظفين، ويمنحها الحرية اللازمة لكى تقدم خدماتها للمواطنين ورقابتها على السلطة التنفيذية. أما عن التمويل الأجنبى فالمطلوب هو أن ينص القانون على الأغراض والأنشطة التى لا يجوز أن تكون محلا للتمويل الأجنبى، وأن يلزم الجمعيات التى تتلقى تمويلا أو دعما من الخارج بإخطار الأجهزة المعنية بذلك والإعلان عن أهداف التمويل وكيفية إنفاقه، وأن يمنح الدولة الحق فى الأعتراض لأسباب معينة وفى مدة زمنية محددة. ومن يخالف هذه الضوابط المتوازنة بعد ذلك يكون مستحقا للعقاب الذى ينص عليه القانون. كذلك فإن القانون المنشود بدلا من أن يغرق المنظمات الأهلية فى بحر من الأوراق والدفاتر والروتين، يجب أن يدفع الجمعيات إلى رفع كفاءاتها المهنية والإدارية، وإلى توجيه مواردها نحو القضايا التى تدافع عنها والخدمات التى تقدمها، وهذا كله لن يتحقق إلا من خلال قانون متوازن يشجع العمل الأهلى ويسانده ويحيطه بالرقابة الضرورية. وبالمناسبة فإن قانونا على هذا النحو هو ما يتفق والأحكام الواردة فى الدستور (المادة 75) بشأن تأسيس وتنظيم وحماية الجمعيات الأهلية.

الاستمرار فى الحالة الراهنة من البيروقراطية القاتلة، والقيود المكبلة للعمل الأهلى، ثم الملاحقة القانونية لمن يبحثون عن حلول بديلة للدفاع عن حقوق المواطنين وخدمتهم، لن يؤدى إلا إلى المزيد من الاحتقان السياسى والتدهور الاقتصادى، وعلينا جميعا أن نعمل من أجل توفير إطار قانونى جديد ومتوازن.

اقرا ايضا