Wednesday, August 20, 2014
الديمقراطية الاجتماعية PDF Print Email

أولا: نشأة الديمقراطية الاجتماعية وتطورها ومبادئها

 

هناك نوعان من الديمقراطية فى عالم اليوم: الديمقراطية الليبرالية التى تتبعها الولايات المتحدة إلى حد كبير والديمقراطية الاجتماعية التى اختارتها بعض بلاد أوربا وأمريكا اللاتينية. والأثنان يتضمنان التزاما بحقوق الانسان والديمقراطية البرلمانية، ولكنهما يختلفان بشأن تحقيق العدالة الاجتماعية.

فالديمقراطية الليبرالية ترى أن نظام السوق الحر يكفى لضمان حرية وكرامة المواطن، بينما تصر الديمقراطية الاجتماعية على قيام نوع من الرقابة الاجتماعية والسياسية على عمل اقتصاد السوق من أجل تحقيق تكافؤ الفرص بين كافة المواطنين

ومن تجارب الدول التى تمكنت من تحقيق الديمقراطية الاجتماعية، ومنها الدول الاسكندينافية مثلا، يتضح أن تحقيق الديمقراطية الاجتماعية يتوقف على ضمان الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية المذكورة فى مختلف مواثيق الأمم المتحدة.

كما يلاحظ أن نجاح الديمقراطية الاجتماعية لا يتوقف فقط على السياسات التى تقرها الحكومات، ولكن أيضا على فعالية المجتمع المدنى ونظم التعليم القائمة ونوعية الثقافة السياسية السائدة. فكل تلك الأشياء مجتمعة هى التى تضمن اشتراك جميع المواطنين فى اتخاذ القرارات وفى الدفاع عن مصالحهم.

ومع أن أنصار الديمقراطية الليبرالية يرون أن دور الدولة يجب أن ينحصر فى المحافظة على تأمين النظام السياسى القائم،  فإن حتى هؤلاء قد اضطروا ، تحت ضغوط الأزمات الاجتماعية المتكررة، لتقبل فكرة تدخل الدولة فى تنظيم علاقات السوق.

وقد نشأت الديمقراطية الاجتماعية فى منتصف القرن التاسع عشر بسبب تزايد أزمات المجتمعات القائمة على الديمقراطية الليبرالية. وكان من أول من نادىبها "فرديناند لاسال" الذى كتب بحثا بعنوان "العلم والعمال" فى 1846 حث فيه "على تضامن المصالح والمشاركة والتبادل المنفعى." وتلاه "جون ستيوارت ميل" وجماعات الاشتراكيين الفابيين الذين دعوا إلى  تحسين أحوال العمال والمساواة فى فرص التعليم.

وبمرور الوقت بدأت المعالم الأساسية لأفكار الديمقراطية الاجتماعية فى الظهور، ومنها:

1. تبنى الديمقراطية السياسية

2. اصدار تشريعات تدافع عن حقوق الفقراء والضعفاء

3. حل الصراعات الاجتماعية بطرق تفاوضية

ولا يعنى هذا أن الخلافات السياسية حول القضايا الاجتماعية سوف ينتهى، ولكن ما يعنيه هو أن المجتمع سوف يسعى إلى حل الصراعات التى تظهر داخله بشكل سلمى وفى ظل التزامه بالعدالة وتكافؤ الفرص.

العدالة فى المشاركة

تدعو الديمقراطية الاجتماعية إلى الحرية والعدالة كفكرتين مرتبطتين، يؤدى الانتقاص منهما إلى الانتقاص من الأخرى. فبدون العدالة فى الدخل والتعليم وفرص الحياة، ستكون الحرية مهددة من قبل الفئات المسيطرة على المجتمع، وبدون الحرية فى الدفاع عن الحقوق، لن تجد العدالة صوتا يدافع عنها.

وبهذا تدعو الديمقراطية الاجتماعية إلى مشاركة العمال فى اتخاذ القرارات المتعلقة بتنظيم العمل وتحديد حقوق الملكية ورسم السياسات الاجتماعية العامة للمجتمع.

كما تؤكد على حق كل مواطن فى المساهمة فى اتخاذ القرارات السياسية وفى تقرير القواعد المنظمة للعبة السياسية.

والفكرة هنا هى أن حرية التعبير وحدها لن تعنى الكثير إذا لم يكن لدى المواطنين ما يقولونه بسبب تدنى مستواهم التعليمى إو بسبب افتقارهم إلى الوسائل التى تجعل صوتهم مسموعا لدى بقية افراد المجتمع. لذا فإن الحقوق الاجتماعية التى تدعو لها الديمقراطية الاجتماعية هى حقوق ضرورية فى تفعيل الدور السياسى لكافة أفراد المجتمع. وبعبارة أخرى فإن الحرية تفقد معناها إن لم تقترن بالمساواة.

المساواة وحقوق الانسان

ولكن ما هى مبادىء المساواة التى تدعو إليها الديمقراطية الاجتماعية؟

تمت صياغة معظم مفاهيم حقوق الانسان والمواطنة والمساواة فى وثائق أقرتها الأمم المتحدة، ومنها الميثاق الدولى لحقوق الانسان. فقد أقرت الأمم المتحدة فى 1966 مشروع وثيقتين دوليتين هما :

أ‌. الميثاق الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الاتفاقية المدنية)

ب‌. الميثاق الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (الاتفاقية الاجتماعية)

وكان التوصل للوثيقتين هو نتيجة تفاوض بين الكتلتين الشرقية والغربية فى ذلك الوقت. فالكتلة الغربية كانت ترغب فى اقرار وثيقة تدافع عن الحريات المدنية والسياسية، فى حين كانت الكتلة الغربية ترغب فى اقرار وثيقة تدافع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبهذا خرجت الوثيقتان إلى الحياة بشكل متلازم وسرى مفعولهما منذ عام 1976، وهما ملزمتان بالنسبة لكل الدول التى صدقت عليهما (بعكس الاعلان العالمى لحقوق الانسان الصادر فى سنة 1948 والذى لم تكن له صفة القانون الملزم).

وقد صدقت على الاتفاقية الاجتماعية 148 دولة حتى الآن بينما صادقت على الاتفاقية المدنية 151 دولة.

الحقوق عالمية ومتساوية فى الأهمية

تم الاتفاق فى الامم المتحدة على أن الحقوق المدنية والاجتماعية تتساويان فى الأهمية، وأن كافة الدول يجب أن تفى بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمواطنيها فى حدود قدراتها وامكانياتها الاقتصادية.

كما تم أيضا الإتفاق على أن الحقوق المدنية والاجتماعية تنطبق على جميع المجتمعات مع تنوعها الثقافى والدينى والعقائدى، فلا يصح أن يحرم أى مجتمع أيا من أفراده من تلك الحقوق. ومع امكان أن يتم تفسير تلك الحقوق بشكل مختلف من مكان إلى أخر، فإن صلاحيتها سارية على جميع المجتمعات الانسانية وهى لا تعتمد على خصوصية التقاليد الحضارية لأى بلد بعينه.

وتنص الاتفاقية الاجتماعية لعام 1966 (الميثاق الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) على التالى:

1. المساواة فى الحقوق بين الرجل والمرأة.

2. الحق فى الحصول على عمل

3. الحق فى ظروف عمل ملائمة وعادلة

4. الحق فى أجور عادلة ومتساوية للأعمال المتكافئة.

5. الحق فى تكوين نقابات

6. الحق فى الاضراب

7. الحق فى الضمان الاجتماعى

8. الحماية من الجوع

9. الحق فى صحة بدنية وعقلية وفى العلاج اللازم للحفاظ على مستوى لائق من الصحة.

10. الحق فى التعليم والثقافة.

11. الحفاظ على التراث الحضارى.

ويلاحظ أن تلك القائمة لا تقدم تعريفات أدق لمعنى العدالة، وهو ما يعنى أن هناك ضرورة لقيام حوار فى كل بلد على حدة لمناقشة تفصيلاتها وتحديد الاجراءات العملية اللازمة لتحقيقها.

وماذا عن الواجبات؟

مع كل الجهد الذى بذلته الأمم المتحدة فى تعريف حقوق الأنسان بشقيها المدنى و الاجتماعى، فليس لدينا حتى الآن أى وثيقة لواجبات الانسان. وأقرب ما تم التوصل إليها حتى الآن هو ما قامت به منظمة عالمية مستقلة اسمها "مجلس الترابط"من اعداد لوثيقة من 19 مادة بإسم "وثيقة إعلان واجبات الانسان".

ومما تتضمنه تلك الوثيقة "التسليم بقبول مبدأ الكرامة لكافة البشر وحريتهم غير القابلة للهدر ومساواتهم وتضامنهم فيما بينهم." ورغم الفائدة الواضحة لتلك الوثيقة فهى تتضمن فى معظمها وواجبات أخلاقية عامة ولا تتوسع فى ذكر واجبات المواطن الاجتماعية والمدنية.

وفى الدول التى تطبق الديمقراطية الاجتماعية، هناك أمثلة عملية لضرورة التوازن بين الحقوق والواجبات. ففى الدانمرك مثلا ومنذ التسعينات من القرن العشرين أصبح دفع إعانة البطالة مقترنا بإثبات الشخص المستحق للتعويض أنه بذل جهدا كافيا للبحث عن عمل. وفى دول أخرى، عندما يفقد المرء عمله فإنه يستحق إعانة بطالة تتوقف على دخله السابق لفترة معينة، وذلك لحمايته ضد التقلبات فى ظروف العمل، ولكن بعد تلك الفترة يتم إعادة النظر فى مقدار الإعانة المستحقة.

ومع هذا ففى أغلب الأحوال التى تطبق فيها الديمقراطية الاجتماعية، هناك حد أدنى أساسى من الضمان الاجتماعى ينطبق على الجميع سواء كانوا يقومون بواجبهم الاجتماعى على أتم وجه (والبحث عن عمل بشكل مستمر مثلا) أو يهملون هذا الواجب. فهناك حد أدنى للكرامة الاجتماعية يجب الحفاظ عليها بالنسبة لجميع أفراد المجتمع.

الناس ليسوا أنانيين

هناك تساؤلات تثار حول واقعية أفكار الديمقراطية الاجتماعية، والتى تؤكد على قدرة أفراد المجتمع فى حل مشاكلهم بشكل توافقى. ومن تلك التساؤلات مثلا:

- هل هناك مصلحة حقيقية لأفراد المجتمع فى تحقيق العدالة؟

- ما هو الفقر وما هى تبعاته بالنسبة للمجتمع ككل؟

توضح خبرة المجتمعات التى تطبق الديمقراطية الاجتماعية أن أفراد المجتمع أقل أنانية مما يفترض الكثيرون. فرغم أن الناخب العادى سوف يؤيد السياسات التى تفيده بشكل مباشر وسريع، فهو على استعداد أيضا لتأييد سياسات لا تنفعه بشكل مباشر إذا ما اقتنع بأنها فى صالح المجتمع ككل أو أنها سوف تفيد الأجيال القادمة مثلا. والمهم هنا هو شرح تلك السياسات بشكل مقنع للناخبين. فالناخب قادر على أن يفكر فى المردود الاجتماعى لسياسات لا تفيده بشكل مباشر. وفى مصر مثلا، هناك اهتمام كبير برفع مستوى التعليم والصحة على مستوى الدولة، وهذا الاهتمام مشترك بين القادرين وغير القادرين وبين الأغنياء والفقراء على حد سواء. فالجميع يعرف أن زيادة الانفاق على تلك الخدمات هو فى صالح المجتمع ككل، وهو أيضا صمام للأمن يفيد الجميع. وفى حالة الحد الأدنى للأجور مثلا، كانت المطالبة به أمرا عاما ولم تقتصر على المستفيدين من تلك الخطوة فحسب. وهناك أيضا مسائل أخرى، مثل التلوث والاعتبارات البيئية، يتشارك فى الاهتمام بها رجال الصناعة مع الأسر المصرية العادية.

وبهذا فإن شرح العواقب لسياسة ما، والدعوة إلى سياسات تقرب بين الفوارق الطبقية وتعطى فرصا متساوية لكافة أعضاء المجتمع، هو فى صميم الديمقراطية الاجتماعية.

وقد أظهرت تجارب القرن العشرين أن كل سياسة لا تحترم حاجات الانسان الأساسية محكوم عليها بالفشل. فالأصولية الدينية تجعل من الإيمان أمرا شكليا وقسريا، وهو ما يتناقض مع الكرامة الانسانية وينتقص بالتالى من القيم التى تدعى الحفاظ عليها. والليبرالية تترك الحبل على الغارب للمصالح الفردية، وهو ما يعرض المجتمع لتناقضات تضر بتلك المصالح ذاتها. والشيوعية لا تترك مجالا لحرية الرأى. والفاشية تنفى الحاجة إلى تنوع الآراء والثقافات.

وعلى العكس من ذلك، تحاول الديمقراطية الاجتماعية الحفاظ على التوازن بين الحاجات الفردية والاجتماعية، وهى فى محاولتها تلك تؤمن بقدرة الإنسان على تخطى مصالحه الضيقة من أجل أن يعيش فى مجتمع أفضل.

التكافل لا يكفى

لا تعنى العدالة أن يتساوى الجميع فى الدخل والثروة. ولكن ما تعنيه هو أن أى فوارق فى الدخل والثروة لابد أن تكون لها أسباب وجيهة ومعروفة للجميع. فما يجعل التفاوت فى الثروة والدخل مشروعا هو أن تكون له فائدة للمجتمع ككل، كأن يكون حافزا للتقدم والعمل والمبادرة، وليس أن يكون ناتجا عن أوضاع موروثة ومستمرة  ولا يمكن تغييرها فى المستقبل. فالأصل فى المجتمع هو أن يتساوى الجميع فى فرص العيش وفرص التقدم بقدر المستطاع.

فالعدالة تقوم على فكرة المساواة ولكن بمعناها الايجابى. فالمساواة هنا لا تعنى فرض التساوى بين الجميع فى الدخل والثروة ، ولكن إتاحة الفرص المتساوية لهم فى حرية الحركة والمبادرة.

العدالة بهذا المفهوم تعنى هى أن تعطى من يحتاج فرصة أكبر فى التعليم والتدريب لكى يشارك فى النشاط الاقتصادى ومعرفة أكبر تساعده على المشاركة فى النشاط السياسى. فما يحتاج له عامل اليومية مثلا ليس مجرد وجبة مجانية هنا وهناك لكى يسد رمقه ولكن ما يحتاج له هو فرصة مستمرة فى التعليم والتوظف لكى يرتقى بحياته. والفكرة هنا هى: "لا تعطنى سمكة ولكن علمنى كيف اصطاد."

والعدالة التى تنشدها الديمقراطية الاجتماعية هى أوسع مفهوما من فكرة التضامن أو التكافل الاجتماعى بمعناه الأخلاقى البحت. فالعدالة هى مفهوم قانونى يدعو إلى اجراءات محددة يؤدى الاخلال بها إلى عقوبات. وبدون التقليل من أهمية التكافل وما يرتبط به من عمل خيرى، فإن العدالة التى تسعى إليها الديمقراطية الاجتماعية بشكل أساسى هى عدالة مؤسسية يلتزم بها المجتمع كله تحت طائلة القانون ويرسم حدودها بشكل غير مبهم. وبينما يعد التكافل خطوة تطوعية على طريق العدالة، فإن العدالة المؤسسية هى أمر يتم من خلال حوار اجتماعى واسع ويتخذ أشكالا قانونية واضحة بناء على حجج قوية ومقنعة للمجتمع ككل.

التنمية المستدامة

كما تهتم الديمقراطية الاجتماعية بالفئات المهمشة والمحرومة، فإنها تهتم أيضا بالأجيال القادمة وحقها فى الحياة فى عالم يخلو من الملوثات والاعتداءات المتكررة على الأنهار والبحار والشواطىء والصحارى وكل ما يشكل عناصر البيئة التى تخص الجنس البشرى ككل بأجياله الحاضرة والمستقبلة. ومنذ مؤتمر الأمم المتحدة حول البيئة والتنمية فى ريو دى جانيرو عام 1992، أصبحت التنمية المستدامة جزءا لا يتجزأ من برامج التنمية الدولية والمحلية. وتتفق أغلب تعريفات التنمية المستدامة على الحفاظ على الموارد الطبيعية بشكل يتفق مع تطلعات البشرية ورغبتها فى توفير معيشة لائقة للفئات المحتاجة.

ويقول الخبراء الدوليون إن الشعوب الفقيرة فى الدول النامية هى الضحية الأولى للتدمير البيئى المرتبط بامتداد السوق العالمى فى مناطق العالم الثالث. أحد الأمثلة هو اقتحام مصانع القطن لمناطق الساحل الافريقى والسودان على  نحو اجبر المزارعين ورعاة المواشى على الهجرة لمناطق جافة وأقل خصوبة. وهناك ايضا التدمير المستمر للشعاب المرجانية التى تمثل مصدرا للعيش للكثير من الفقراء. وحتى فى البلدان الصناعية، فإن الزراعة تعتمد على استخدام مكثف للمبيدات الحشرية ومواد مكافحة الأعشاب الضارةن وفى كثير من الأحوال يقوم بعملية الرش عمال هم من المهاجرين بشكل غير شرعى ويتعرضون لأضرار صحية جسيمة فى خلال عملهم. وعموما فإن اقل الناس حظا فى الاستفادة من التنمية هم فى أغلب الأحيان الأكثر تعرضا للتلوث والانتهاكات البيئية.

ومن هنا تدعو الديمقراطية الاجتماعية إلى:

1. الحد من المشروعات التى تتطلب استهلاكا للطاقة الغير متجددة والاهتمام بموارد الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

2. مشاركة الشعب فى صنع القرارات فى الأمور المتصلة بالبيئة واستخدام الموارد الطبيعية.

3. مراجعة انماط الاستهلاك المسرفة فى الدول المتقدمة لضمان عدم اهدار الموارد الطبيعية.

4. حث الدول النامية على عدم تكرار اخطاء المجتمعات الصناعية وعلى اتباع مسار صديق للبيئة فى عمليات التنمية.

ومن الأمور التى يمكن القيام بها فى هذا المجال على سبيل المثال أن نصمم سيارات تستهلك 3 لترات وقود فقط لكل 100 كم، أو أن تركز سياسة النقل فى المدن على المواصلات العامة بدلا من التوسع فى شق الطرق لاستخدام السيارات الخاصة. وهناك أيضا ضرورة لإعادة النظر فى طرق توزيع المياه لضمان عدم تسربها من المواسير. كما أنه من الممكن زيادة عملية اعادة تصنيع المواد المستعملة والنفايات. تلك السياسات لا تحافظ على البيئة فحسب ولكنها أيضا تحسن من نوعية الحياة وتخلق فرص عمل جديدة.

ثانيا: دور المجتمع المدنى والحوار الفعال

وفقا لمبادىء الديمقراطية الاجتماعية، على الدولة أن تتولى حماية الحقوق الأساسية للمواطنين سواء كانت تلك الحقوق سياسية أو اجتماعية.

على الدولة أن تحمى الحقوق الاجتماعية عن طريق اقرار قوانين للعمل وتقديم المعونات الاجتماعية للمحتاجين وتوفير التعليم والرعاية الصحية للجميع، إلى جانب تنظيم أنشطة السوق بشكل يمنع الاحتكار ويحول دون الاضرار المتعمد بمصالح المستهلكين.

وعليها أن تحمى الحقوق السياسية عن طريق تشجيع قيام رأى عام فعال وتوفير فرص متكافئة لجميع المواطنين للمشاركة فى الحياة السياسية.

ويتوقف نجاح الدولة فى القيام بتلك الأدوار على مشاركة المجتمع المدنى بالرأى فى القضايا العامة وأيضا على دعم الشفافية السياسية التى تسمح للرأى العام بفهم طبيعة المشاكل التى يواجها المجتمع. ويلاحظ أن نجاح الدولة فى دعم الممارسات الديمقراطية لا يتوقف على العملية السياسية فحسب، بل يتخطى ذلك ليشمل كل أساليب الحياة ومنها الثقافة والادارة والإعلام. والمطلوب هو اتاحةفرص المشاركة والرقابة ليس فقط على مستوى الدولة ولكن على كل مستويات العمل العام.

وهناك ثلاثة نظم رئيسية تؤثر على شكل الحياة فى أى مجتمع:

مؤسسات الدولة

اقتصاديات السوق

المجتمع المدنى

ولابد أن يوجد نوع من التداخل والرقابة المتبادلة بين تلك النظم الثلاثة، إذ يجب على الدولة أن تراقب عمل اقتصاديات السوق وأن تقبل أن يقوم المجتمع المدنى بمراقبة أعمالها وأنشطة السوق، وعلى الدولة والمجتمع المدنى الانصات إلى حاجات السوق والتعاون مع الشركات الخاصة عند اللزوم.

ويلاحظ أن التوسع المفاجىء لقيم السوق، على النحو الذى شهدته مصر فى العقود الثلاثة الماضية، قد يؤدى إلى تآكل هيكل الدولة. لذا فإن التوسع المستمر فى اقتصاديات السوق لابد أن يقابله رقابة مجتمعية تضمن استمرار الدولة فى لعب دورها الاجتماعى فى صالح الطبقات الفقيرة والمتوسطة. وعلى الدولة أن تدعم دور المجتمع المدنى فى حماية الحقوق السياسية والاجتماعية للمواطنين.

تزايد دور المجتمع المدنى:

وقد تزايدت أهمية دور المجتمع المدنى فى السنوات الماضية مع تراجع قدرة الدولة الحديثة على التنظيم الاجتماعى لعدة أسباب. أحد تلك الأسباب هو أن مركزية تدخل الدولة وتعقيد العمل البيروقراطى بها قد يعرقل من حيوية النشاط الاقتصادى فى المجتمعات الحديثة. والسبب الثانى هو أن كثير من الأجيال الشابة تفضل العمل من خلال المجتمع المدنى وليس من خلال المؤسسات السياسية التقليدية.

وبدون التقليل من أهمية الدولة المركزية أو من دورها الحاسم فى ضبط ايقاع المجتمع، فإن بعض المؤسسات الأصغر، سواء كانت نقابات أو صحافة أو أجهزة تعليمية وغيرها، ذات فعالية لا تنكر فى تشجيع المواطنين على اتخاذ القرارات التى تؤثر على المجتمع ككل. وبهذا تكون المؤسسات الأصغر، سواء كانت مؤسسات رسمية أو غير رسمية، هى الضامن الأكبر لاستمرار وفعالية ثقافة الديمقراطية الاجتماعية، فهى:

تسمح للمواطنين بالمشاركة فى القرارات التى تؤثر على حقوقهم السياسية والاجتماعية.

تعود المواطنين على المشاركة فى عمليات التفاوض والبحث التى يتضمنها صنع القرار.

ترتفع بقدرة المواطنين على اتخاذ القرارات بشكل جماعى.

ترتفع بثقافة المواطنين السياسية وفهمهم لطبيعة المشاكل التى يواجهها المجتمع ككل.

وبعبارة أخرى، فإن نشاط المجتمع المدنى لا يسمح فقط بتوسيع نطاق العمل العام وإنما يؤدى أيضا إلى زيادة قدرة المواطنين على الدفاع عن حقوقهم وممارسة واجباتهم بشكل أفضل.

المجتمع المدنى ليس بديلا عن الدولة:

يتحدث البعض أحيانا عن "خصخصة" العمل السياسى المركزى، بمعنى نقل بعض القرارات من مسؤولية الدولة المركزية إلى مسؤولية المجتمع المدنى، وهو أمر يتوقف على نوعية القرارات التى نتحدث عنها وقدرات المجتمع المدنى المعنى. فهناك مجتمعات مدنية قد تفوق قدراتها قدرات الدولة المركزية بخصوص بعض الأنشطة، مثل التدريب المهنى مثلا. ولكن بعض السياسات تتطلب تنسيقا على مستوى الدولة المركزية، مثل سياسات التعليم والصحة على سبيل المثال.

وعموما فإن المجتمع المدنى، وبغض النظر عن درجة نضجه السياسى، لا يجب أن يكون بديلا لمؤسسات الدولة. فضمان الحقوق مثلا هو مهمة جوهرية لابد أن تتولاها الدولة. ولا يجب أن يكون هدف المجتمع المدنى هو الاستقلال عن الدولة المركزية، بل دعم دورها وفرض رقابة فعالة ومستمرة على مختلف سياساتها.

ويستطيع المجتمع المدنى أن يتولى المهام السياسية والاجتماعية التالية:

1. تكوين مجموعات ضغط (لوبى) لتغيير السياسات العامة.

2. تنظيم الحوار السياسى والتوصل لتفاهمات بين عناصر الرأى العام.

3. تنظيم نشاطات جماعية لدعم أنشطة اجتماعية معينة أو فئات تحتاج للمساعدة.

4. اتاحة الفرصة للمواطنين بالمشاركة فى العمل العام عن طريق ابداء الرأى أو النشاط التطوعى.

ومن المهم أن ندرك أن المجتمع المدنى ليس عنصرا مكملا أو مساعدا فى الديمقراطية فحسب، وإنما هو أحد العناصر الرئيسية فى تفعيلها وتطبيقها. فمن خلال أنشطة المجتمع المدنى يمكن للمواطنين أن يتفاهموا حول التطبيقات العملية للديمقراطية ويتبادلوا الخبرات الخاصة ببدائل التنمية والتطوير المتاحة. وهم بهذا يتعودون على العمل العام ويكتسبون المهارات التى تؤهلهم للرقابة على عمل مؤسسات الدولة و طرح سياسات بديلة.

وعلى الدولة أن تدعم أنشطة المجتمع المدنى وأن تسمح لمنظماته بالحركة دون قيود مبالغ فيها. فالحرية التى تمنحها الدولة لمنظمات المجتمع المدنى هى التى تشجع الأفراد على الانخراط فى مجال العمل العام، وهو ما يرتفع بمستوى الثقافة السياسية فى المجتمع وبقدرة أفراده على التأثير فى السياسات العامة. وقد ثبت من تجارب الدول الأخرى أن التعاون بين الدولة والسوق والمجتمع المدنى يؤدى إلى تحسين الاداء فى مجلات الثقافة والتعليم والعناية بكبار السن.

ومن المهم ألا يفتح المجتمع المدنى أبوابه لمبادرات الناشطين فحسب، بل أن يعمل على ادماج المهمشين والفئات الأضعف فى اتخاذ القرارات التى تهم المجتمع ككل، وهو ما قد اصطلح على تسميته باستراتيجيات "التمكين".

ومع هذا، فإن الاعتماد على دور المجتمع المدنى لا يمكن أن يكون بديلا عن دور الدولة. فعندما يتوقف تأمين ظروف الحياة للفئات الأكثر ضعفا على استعداد الناشطين والفئات القادرة على المساهمة، يصبح مصير الفئات الأولى معرضا للخطر. كما أن تحقيق "العدالة من خلال المجتمع المحلى" قد يعنى عدم المساواة بين المناطق القادرة على مساعدة الضعفاء بها وتلك الغير قادرة أو التى تفتقر إلى التنظيم. لذا فإن المقومات المادية اللازمة لكرامة الانسان لا يجب أن تكون رهنا بمبادرات المجتمع المدنى، وإنما لابد أن تكون جزءا أساسيا من سياسة الدولة.

أهمية الرأى العام:

وجود رأى عام سياسى وحوار مجتمعى مستمر هو أساس عمل الديمقراطية الاجتماعية. فمن خلال الحوار العلنى يمكن التوصل إلى فهم مشترك لمفاهيم العدالة الاجتماعية وتطبيقاتها فى مجال العمل والسياسات العامة. ولا تتوقف أهمية الرأى العام على امداد الجمهور بالمعلومات والحجج فحسب وإنما يمتد إلى اثراء الثقافة السياسية بشكل عام.

وقد يقلل البعض من أهمية الحوار العام نظرا لكثرة العناصر الخطابية والمؤثرات التجميلية والنظريات المتضاربة التى تتبدى من خلاله. وعلينا أن نقبل أنه ليس هناك حوار موضوعى تماما أو مواقف تسمو عن الميول الشخصية، ولكن التغطية الاعلامية التى تسمح للجميع بالتعبير عن رأيهم من شأنها أن تساعد الجمهور على تكوين آراء متوازنة حول مختلف القضايا.

وحتى يمكننا تكوين رأى عام على نحو ديمقراطى، عليننا أن نحرص على:

1. الشفافية - او ضمان وصول المعلومات الحقيقية وغير المجتزأة للجمهور.

2. الحرية - أو ضمان حق كل مواطن فى نقد آراء الآخرين لو رغب فى ذلك.

3. المساواة - أو ضمان حق الجميع فى المشاركة فى ابداء الآراء.

4. العلنية - أو أن تكون جلسات النقاش معلنة بشكل مسبق ومتاحة للجمهور أوالصحافة.

ويقال عادة إن جودة القرارات الديمقراطية تتوقف على جودة الحوار العلنى الذى يجرى قبل اتخاذها. فبدون ديمقراطية فعالة لا يوجد حوار وبدون حوار فعال لا توجد ديمقراطية.

 


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo